محمد عبد الله دراز
313
دستور الأخلاق في القرآن
بالنسبة لما ألفنا من عادات ، واستعدادات ، ويبدو الحل الآخر مردودا بنفس الوسائل ، ولكنه ليس بأقل منه في نظر العقل ، وهو بذلك يعتبر عائقا بالنسبة إلى الأوّل ، يحول بينه وبين أن يتحول تلقائيا إلى حيز الفعل . بيد أنّ المسافة الّتي تفصل حدث الإرادة عن أحداث الضّمير الأخرى ، تتميز باختلاف طبيعتها بخاصة ، فبين هذه الأحداث وحدث الإرادة تنافر أساسي ، وانقطاع للاستمرار ، فالمرء لا ينتقل من هذه الحالات إلى هذا الفعل ، على سواء . فمن فكرة معينة تولد طبيعيا نتيجة ، ومن اتجاه رغبة ، ومن عاطفة حالة للنفس مناسبة ، ومن خليط هذه كلّها ، أو من اندماجها يولد حدث مركب ، ليس هو الإرادة - بعد ، وإنّ أقرب الحالات إلى الإرادة هي الرّغبة ، ولكن ، « من الرّغبة إلى الإرادة توجد كلّ المسافة الّتي تفصل الدّعوة عن الاستجابة » . إنّ الإرادة ليس معناها أن نصوغ « طلبا » بل أن نصدر « مرسوما » ، إنّها لا تعني أن نمد يد سائل ، بل هي التّقدم بخطوة فاتح ، والإرادة ليست « امتدادا » لسلسلة في سلسلة معطاة ، بل هي « بدء » سلسلة أخرى ينبغي أن تعطى . والواقع أنّ للسببية الإنسانية طابعها الخاص الّذي لا يؤول إلى غيره . فقبل أن ترتضي الإرادة دافعا معينا ، أو حافزا ، تخلع عليهما أوّلا نوعا من التّلوين ، وتحولهما إلى صيغة عقلية ، حين تلصق عليهما هذا العنوان : « إنّي أعتنق هذا المبدأ كقاعدة سلوك » . وحاشانا أن نقلل من أهمية نوازعنا العميقة ، وعواطفنا القوية ، وأفكارنا الواضحة - في صوغ أحكامنا ، فذهننا يقترح علينا حلا معينا ، وإحساسنا يستحثنا إلى آخر . وربما كان يكمن في الغضون الخفية لضميرنا سبب يوجهنا