محمد عبد الله دراز
301
دستور الأخلاق في القرآن
قد تسبق هذا الإدراك ، وتتجاوزه ، وكما يحدث في جميع الحالات الّتي نرتكب فيها خطأ نظريا ، لا يكون هذا الخطأ سوى حكم إرادي ، أصدرناه على الأشياء الّتي نعتقد أننا ندركها ، على حين أننا لا ندركها في الواقع « 1 » . وحتّى عندما نلجأ إلى البداهة فإننا نفعل ذلك بحرية أيضا ، لأننا كنّا نستطيع أن نقاومها ، ولا نقرها ، ( بشرط وحيد هو أن نرى من الخير أن نؤكد بهذا حقيقة اختيارنا الكامل ) « 2 » . ولنقف عند المشكلة الأخلاقية . أنحن في سعينا إلى الخير ، والشّر مصدر أحكامنا ، أنحن علتها ؟ . . أم أنّها الثّمرة المحتومة لطبيعتنا الثّابتة ، أو النّتيجة الضّرورية لحالات ضميرنا السّابقة : الأفكار ، أو العواطف ؟ أولع الحتميون بأن يقدموا لنا الطّابع الفطري في إطار صارم إلى أقصى حدّ ، لا يحتوي أية ليونة ، أو مرونة . فالميول الطّيبة ، أو الخبيثة الّتي نجتلبها معنا عند الولادة - هي فطرتنا ، فكيف نكون مسئولين عن فطرة ليست صنعتنا ، وهي على كلّ حال ليست صنعتنا الشّعورية « 3 » ؟ . بيد أنّهم لم يبرهنوا أوّلا على هذا الطّابع الثّابت ، والمقرر لغرائزنا ، ويبدو أنّ علم النّفس المقارن يثبت على العكس أنّ الغرائز الإنسانية أقل صرامة ، وأكثر قابلية للتغيير ، والتّربية ، يؤثر بعضها في بعض أكثر من غريزة الحيوان بسبب عددها الكبير ، وتعقدها البالغ . وإذا كان الإنسان قد باشر - منذ الأزل - سلطانه على الصّفات الطّبيعية
--> ( 1 ) انظر ، المرجع السّابق : 1 - Reponses aux 5 es objections ( 2 ) انظر ، المرجع السّابق : 1 - lettres au Pe ? re Mersenne . lettre 47 ( 3 ) انظر ، ليفي بريل 1 - La responsabilite ? , Chap . III II