محمد عبد الله دراز

297

دستور الأخلاق في القرآن

يقع فريسة وهم عضال ، فيعتقد أنّه يماثل إرادته بالشرع ، هذا الرّجل يحق له - استنادا إلى هذا المنطق - أن يحظى بنفس التّقدير الّذي يستحقه في نظرنا أكثر النّاس حكمة ، وأعظمهم استنارة . بيد أنّ « كانت » لم يدخل في اعتباره كلّ هذه الصّعوبات ، لأنّه - على وجه التّحديد - يلتزم بسلم مجرد ، تصبح فيه الفكرة العامة للواجب وحدة دون تنوع ، وهو لا يريد أن يكلف نفسه عنت تصور الضّمير في واقعة المتعدد ، والمحسوس . أي : أنّ « كانت » لا يأخذ من العنصر الثّلاثي للضمير الأخلاقي ، وهو : « المعرفة » ، و « الإرادة » ، و « العمل » - سوى جانب واحد هو : الإرادة . ونحن متفقون تماما مع « كانت » فيما يقرره من أنّ أكثر الأعمال نفعا ، وكذلك أكثرها نزاهة ، ليست له قيمة أخلاقية إذا لم تصحبه ، بل إذا لم تحدده إرادة الخضوع للقانون ، وأنّ أسوأ الأعمال لا يستتبع مسؤولية إذا لم يكن قد خالف القانون عن عمد . ولكن شتان بين هذا وبين أن نقول في حالة العكس : إنّ أكثر الأعمال ضلالا مع النّيّة الحسنة يسترد كلّ قيمته ، ويصبح قدوة للسلوك الأخلاقي . فإذا كانت النّيّة الطّيبة تعذر صاحبها ، فإنّ ذلك لا يستتبع أن تنزل منزلة مبدأ مطلق للقيمة الأخلاقية وعلى سبيل الإيجاز ، ولكي نعطي لتفكيرنا شكلا أكثر وضوحا وتحديدا ، نقول : أنّ النّيّة شرط ضروري للأخلاقية ، وهي على ذلك شرط للمسئولية ، ولكنها ليست بأي حال شرطا كافيا لهذه أو تلك . وهذه هي رؤيتنا لدور النّيّة في الأخلاق الإسلامية ، والنّص المشهور الّذي يجعل منها محكا للأخلاقية لا يتيح لها أن تستوعب ، وتمتص قيمة العمل كلّها ، بل يجعلها شرطا لصحة هذا العمل .