محمد عبد الله دراز

289

دستور الأخلاق في القرآن

من حيث كان ينقصه مطلقا هذا العنصر التّكويني للشخصية . أعني : الإرادة ، فالذي يكبو في سيره - مثلا - لا يمكن أن يعتبر مسؤولا ، لا عن سقوطه ، ولا عن نتائجه المكدرة ، أو المستطابة ، بالنسبة إليه أو إلى الآخرين . والعمل اللاإرادي من النّاحية الإنسانية هو ( حادث ) ، وإن كانوا يطلقون عليه اصطلاحا : ( عمل ) لأنّه - حين نستخدم التّعبير القرآني - لن يكون بعض ما تكتسبه أنفسنا « 1 » . فهل نقول إذن - على النّقيض - إنّه يكفي أن يكون العمل مرادا لنا ليحمل علينا ؟ . . . نعم . . . و . . لا . . . نعم . . . إذا كان يراد بالحمل « سببية » على نحو ما ، ولا . . . إذا كان الحمل مرادف « المسؤولية الأخلاقية » ، لأنّ هذه المسؤولية ليست مجرد نسبة العمل إلى الإنسان بصفة عامة ، بل لا بد من وجود صفة مميزة ، وهي أنّ هذا العمل يؤدي إلى استحقاق من الثّواب أو العقاب . وعليه ، فمن الضّروري لكي نخلع على أي عمل هذه الصّفة ، أن يكون هذا العمل الإرادي متصورا من ناحية صاحبه بنفس الطّريقة الّتي تصوره بها المشرع . وكما أنّه في المنطق لا يوجد تماثل ، أو تعارض إلّا إذا أخذ الطّرفان المتماثلان ، أو القضيتان المتعارضتان في ظروف واحدة ، فكذلك الحال في علم الأخلاق ، لا يوجد طاعة ، أو عقوق إلّا إذا كان هناك توافق كامل بين العمل باعتباره مأمورا به أو محرما ، وبين ذاته باعتباره قد حدث فعلا . ولنأخذ على ذلك مثلا ، أنّك تخرج لممارسة القنص في إحدى الغابات ، أو

--> ( 1 ) من قوله تعالى في البقرة : 286 لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ .