محمد عبد الله دراز

285

دستور الأخلاق في القرآن

الإسلام » « 1 » ، فهل يكفي إذن أن يكون القانون منشورا ، ومعلوما في وسط معين لكي تثبت مسؤولية كلّ من يعيشون في هذا الوسط ، على الرّغم من جهل بعضهم ؟ . . والحقّ أنّ الفقهاء قد قيدوا مدى تطبيق هذا المبدأ ، لأنّه لا ينطبق - من ناحية - إلّا على المسلمين بالميلاد ، ممن يعيشون في مجتمع يمارس واجباته الدّينية ( أي أنّ من يعتنق الإسلام حديثا معذور في الجهل بالقانون ) . وهو لا يصدق - من ناحية أخرى - إلّا على القواعد العامة ، ذات الوضوح المؤكد ، بعامة ، لا على التّفاصيل الّتي قد تفوت غير المتخصصين . بيد أنّ هذه التّحفظات جميعها لا تقدم لنا سوى احتمال كبير ، وقرينة قوية على علم كلّ فرد ، دون أن تفيدنا يقينا ، ويبقى دائما أن نسأل : على أي مبدأ من مبادئ العدالة تقوم مسؤولية من يجهل فعلا واجبه ، في حالة معينة ، حتّى ولو عرفه كلّ النّاس في مكانه ؟ لا شك أنّ من الأمور الملزمة بالنسبة لي أن أنور ضميري ، وأن أستعلم عن واجباتي كلّما جهلتها ، ولا يتحتم لهذا أن أواجه مشكلة بعينها . ولكن هناك حالات أعتقد فيها ، بكلّ صدق ، أنّ العمل الّذي ألزم نفسي به ، أو أمتنع عنه ليس سوى عمل فطري طبيعي لا ينشأ عن أي تحريم ، أو تكليف ، وذلك باستثناء حالة الجهل الإرادي الخاطئ الّذي يقدم عليه الفاسق ، الّذي يتحدث عنه

--> ( 1 ) ورد النّص هكذا : ( لا يعذر بالجهل في دار الإسلام ) كما جاء في حاشية ردّ المختار لابن عابدين : 2 / 407 و : 6 / 544 .