محمد عبد الله دراز

279

دستور الأخلاق في القرآن

يوافقون عليه جزئيا ( فيما يتعلق بالواجبات الأولية ) ، فإنّ أكثر مدارس أهل السّنة ينكرونه مطلقا . ويقولون : إننا لسنا مسئولين أمام اللّه ، حتّى عن واجباتنا الأساسية إلّا إذا أعلمنا بواجباتنا ، هو نفسه ، وبطريقة خاصة وإيجابية . وهؤلاء المفكرون يتمسكون بحرفية القرآن حيث يقول : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ « 1 » ، وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 2 » ، وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا « 3 » . ومن المفيد جدا أن نبحث عن الأسباب في أنّ القرآن يضع هذه الشّروط المفيدة ، فلما ذا أوجب اللّه مطلقا على نفسه أن يعلم الشّعوب بواجباتها بوساطة الرّسل ، الوسطاء بينه وبينهم ؟ . ولما ذا لم يتركهم لنورهم الفطري وحده ؟ . . والجواب كما يبينه القرآن : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 4 » . والواقع أنّ أكثرية النّاس ينتمون إلى إحدى فئتين : فإمّا أنّهم رجال أعمال مشغولون بلقمة العيش ، أو يكونون فارغين عاكفين على ملذاتهم . وعليه ، أفلا يكون من النّادر إلى أقصى حدّ أن تسنح لحظات يخطر لهؤلاء وهؤلاء فيها أن يرفعوا أبصارهم نحو السّماء ، أو أن يحولوها نحو أنفسهم ؟ . . كم رجلا منا يسائل نفسه عن خير الوسائل لتثقيف الرّوح ، وتغذية القلب ، بله أن يشرع لها ؟ ؟ وهذه

--> ( 1 ) التّوبة : 115 . ( 2 ) الإسراء : 15 . ( 3 ) القصص : 59 . ( 4 ) النّساء : 165 .