محمد عبد الله دراز
268
دستور الأخلاق في القرآن
المتقدم ربما يخلق لدى هذا الأخير نوعا من المساس بكرامته ، إن صح التّعبير ، قد يتحرك في نفسه غضب مشروع ، حين يرى نفسه متساويا مع آخر أدنى منه أخلاقيا . والحقّ أنّ الاعتراض من هذا الجانب العاطفي ليس دقيقا ، لأنّه ليس عسيرا أن نجيب عليه بأنّ مسألة المنافسة لا موضع لها في جنّة اللّه . وقلوب السّعداء منزوع منها كلّ حقد ، أو تحاسد فيما بينها : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ « 1 » ، وبأنّه ، حتّى في هذه الحياة ، يجب استبعاد كلّ أثرة بين السّلف ، والخلف ، وبخاصة من ناحية الأولين ؛ فإنّ الآباء يشهدون دائما أنّهم لا يجدون سوى الرّضا الكامل ، حين يرون أولادهم يتمتعون بمثل ما ذاقوا من سعادة ، إن لم يكن بأكثر منه . ولكن ، لنفترض أنّ العالم كلّه قد حصل على هذا الرّضا ، أفترضى العدالة في ذاتها بهذا ؟ . . ولما ذا الإحسان إلى بعض النّاس ، وعدم الإحسان إلى الآخرين بنفس القدر ؟ . . . ألم يكن للكرم أيضا حقّ في عدم المحاباة ؟ . . لقد كان هدف جميع محاولات المفسرين أن يسوغوا الحكم الإلهي الّذي يسوي « في الواقع » بين طرفين غير متساويين « في الحقّ » ، بحسب طبيعتهما الخاصة ، وبدا لنا أكثر مشروعية - قبل أن نحاول تقديم تسويغ - أن نسأل أنفسنا أوّلا عما إذا كانت مساواة من هذا القبيل مستفادة من النّص المذكور . إننا حين نرجع إلى النّص العربي نلاحظ أنّ كلمة ( ألحق ) يمكن أن تفسر
--> ( 1 ) الحجر : 47 .