محمد عبد الله دراز
250
دستور الأخلاق في القرآن
الإيمان ، أو نرتكب ظلما أيا كان : وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما « 1 » . بل إنّ الوضع ينقلب عندما يرتكبان ظلما ، وحينئذ يجب على الأولاد دعوتهما إلى الواجب ، وبوسعهم أيضا أن يوقفوهما أمام القضاء . ألا ما أعظم ما يشعر به المسلم نحو أبويه من احترام ، وما أعمق ما يكنه لهما من حبّ ، لا سيما « 2 » إذا كانوا على دين واحد ، ولكن حبّه للحقّ ، واحترامه للعدالة يجب أن يرجح عنده . وعلى حين يحرم قانون نابليون على الابن أن يشهد ضد أبيه ، وأمّه في قضية مدنية ، أو جنائية « 3 » ، نجد أنّ القرآن يقول بعكس ذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ « 4 » . وعلينا كذلك أن نطيع ولاة أمورنا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 5 » ، ولكن بشرط أن يكون ما يصدرون من الأمر مشروعا ، فإذا كانت هذه المشروعية موضع نزاع وجب أن نحتكم في خلافنا إلى كتاب اللّه ،
--> ( 1 ) العنكبوت : 8 . ( 2 ) قلنا ( لا سيما ) . ولم نقل ( وبخاصة ) ، والواقع أنّ القرآن يعلمنا أنّ اختلاف الرّأي الدّيني لا يعفى الأولاد مطلقا من أن يسلكوا مع أبويهم بعدل ، واحترام ومودة ، وفي آية لقمان : 15 ، قال تعالى : وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ، ولم يرد القرآن بذلك أن يجعل من هذا الواجب الإنساني امتيازا مقصورا على الأبوين ، فهو يعلمنا بعكس ذلك أنّ النّاس جميعا ، بقطع النّظر عن عقائدهم ، يجب أن يتمتعوا بعدالتنا وبرنا قال تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - الممتحنة : 8 . ( 3 ) انظر ، 1 - Code Napole ? on , livre I , Tur 21 . ( 4 ) النّساء : 135 . ( 5 ) النّساء : 59 ، وقد تقدم المراد بولاة الأمر .