محمد عبد الله دراز
246
دستور الأخلاق في القرآن
فهذه « قدرة » و « استطاعة » ، أمّا في اللحظة الثّانية فإننا نتخذ - على العكس - موقف خفض الجناح ، والخضوع ، فهذا « واجب » . وإنّا لنقرر أنّ كون المرء مسؤولا يدعوه إلى أن يقدم حسابا ببعض الأشياء إلى بعض النّاس ، فلمن يقدم ؟ . . وما ذا يقدم ؟ . . وما دمنا قد اتفقنا على أنّ المسؤولية تفترض الإلزام سلفا ، فإنّ ذلك ينتج عنه ، من ناحية ، أنّ الحساب يجب أن يكون موضوعه الطّريقة الّتي تم بها أداء عمل إلزامي ، أو إهماله ومن ناحية أخرى أنّ القاضي الّذي سوف يمثل المرء أمامه ليس سوى السّلطة الّتي يصدر عنها التّكليف . وعليه ، فنحن نعرف من هذه السّلطة ثلاثة أنواع : فمن الممكن أن يخضع المرء لتكليف يلزم به نفسه ، أو يتلقاه عن أناس آخرين ، أو عن سلطة أعلى فعلا . وفي الحالة الأولى تأتينا المسؤولية من داخلنا ، فالمرء يجعل من نفسه مسؤولا عن عمل لم يكلفه به أحد . أمّا في الحالتين الأخريين فنحن نتلقى المسؤولية من خارجنا . ولكن سواء أكان المرء مسؤولا أمام نفسه ، أم أمام الإنسان ، أم أمام اللّه سبحانه فإنّ حكم المسؤولية يصدر دائما بوساطة نفس السّلطة الّتي أصدرت الأمر أوّلا . ومن هنا نجد ثلاثة أنواع من المسؤولية : المسؤولية الدّينية ، والمسؤولية الاجتماعية ، والمسؤولية الأخلاقية المحضة . وإنّ القرآن ليذكر هذه الثّلاثة مجتمعة في هذا النّظام في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 1 » . ونستطيع أن نقول ، بمعنى معين ، إنّ كلّ مسؤولية هي مسؤولية أخلاقية ، متى
--> ( 1 ) الأنفال : 27 .