محمد عبد الله دراز
244
دستور الأخلاق في القرآن
بيد أنّ هذا ليس سوى وجه كامن ، يعبر عن استعداد بعيد الأصول ، لتحمل المسؤولية بالفعل ، فهذه لن تبدأ إلّا عندما تتحقق بعض الشّروط : ( كالسّن ، والصّحة مثلا ) ، كيما تخلع مغزاها الأخلاقي على تعهداتنا ، والتزاماتنا . كذلك لا يكفي أن تجتمع هذه الشّروط العامة لنصبح فعلا مسئولين ، بل يجب أيضا أن تنضاف إليها ظروف مادية ، تدعونا إلى أن ندخل نشاطنا في نسيج الأحداث . والحقّ أنّ هذه الظّروف لا تتخلف أبدا ، فلكلّ منا بالضرورة بعض العلاقات ، وهو يشغل مكانا معينا ، ويمارس بعض الوظائف في جهاز المجتمع . فالأب مسؤول عن رفاهية أولاده - المادية ، والأخلاقية ، والمربي مسؤول عن الثّقافة الأخلاقية ، والعقلية للشباب ، والعامل عن تنفيذ عمله ، وكماله ، والقاضي عن توزيع العدالة ، والشّرطي عن الأمن العام ، والجندي عن حفظ الوطن . كذلك نحن - فرادى - مسؤولون عن طهارة قلوبنا ، واستقامة أفكارنا ، كما أننا مسؤولون
--> - تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ، النّور 54 . وقوله : حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها - الجمعة : 5 . وهو أحيانا بمعنى ( تحميل الخطأ ) في قوله تعالى : يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ، طه : 100 . وقوله : وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ، طه : 111 . واستنادا إلى هذا المعنى المزدوج للفظ ، حمله بعض المفسرين على معناه الثّاني ، وهاك معنى النّص تبعا لما ذهبوا إليه : ومع أنّ المخلوقات الأخرى قد وفت بمهمتها ، حين خضعت لقانون ( الطّبيعة ) دون مقاومة قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ، فصلت : 11 . فإنّ الإنسان الّذي لم يطع القانون ( الأخلاقي ) يبقى محملا به ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ، عبس : 23 ، فالأمر لا يتعلق إذن بالإنسان بعامة ، بل بالكفار والعصاة وحدهم ، وهو تفسير - لا ريب - معقول ، في ذاته ، ولكنه فضلا عن ذلك التّقييد الّذي يفرضه على مفهوم ( الإنسان ) ، الّذي جاء غير محدد في النّص ، فهو لا يحقق على وجه الدّقة التّطابق المطلوب بين الضّمائر ، والأسماء الّتي تتعلق بها ، إذ لم تعد الأمانات المعروضة على الإنسان ، وغيره من المخلوقات - كما هي ، وصار من اللازم أن يكتفي بالتقائها في الفكرة العامة للأمانة ، كما أصبح لازما اللّجوء إلى فكرة مجازية ، حتّى نقرر للطبيعة نوعا من الالتزام تجاه القانون .