محمد عبد الله دراز
243
دستور الأخلاق في القرآن
فإذا أخذت المسؤولية بهذا المعنى الرّحب ، والأولى - فلن تكون سوى سمة من السّمات المميزة الّتي يأخذها الإنسان من جوهرة ذاته . ولو أننا تتبعنا الأشياء في مجراها العادي ( بما في ذلك الإنسان الفيزيقي والنّفسي ) لوجدناها في الواقع تؤدي دورها الّذي عينه لها قانون الطّبيعة ، بطريقة قدرية ، وعلى نسق واحد . فليس هنالك أدنى تدخل ممكن لمبادرتها الخاصة ، لا من أجل صيانة النّظام الثّابت ، ولا من أجل تغييره ، أو تعديله في أي صورة ما كان ، وإذن فلا مسؤولية مطلقا . أمّا في النّظام الأخلاقي فالأمر بالعكس ، حيث يواجه الفاعل إمكانات متعددة ، يستطيع أن يختار من بينها واحدة ، توافق هواه ، سواء احترام القاعدة ، أو اخترمها . « فالإمكان » و « الضّرورة » هما الصّفتان اللّتان تكوّنان مجالي المسؤولية وعدم المسؤولية ، كلّ على حدة ، والجانب الأوّل هو الّذي رصد له الإنسان استعداده . هذا التّباين الّذي يضع الكائن العاقل ضد الكائنات غير المزودة بالعقل ، من حيث مقدرتها الأخلاقية - يبدو لنا أنّ القرآن قد أبرزه في هذه الجملة الإلهية القصيرة : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » . [ لأنّه قد انتهكها ] « 2 » .
--> ( 1 ) الأحزاب : 72 . ( 2 ) هذا أحد الوجوه الّتي ردّ إليها أكثر المفسرين معنى النّص ، ولكن الفعل ( حمل ) مستعمل هنا استعمالا مزدوجا في القرآن ، فهو أحيانا يعني تحمل التّكليف في مثل قوله : ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ -