محمد عبد الله دراز

237

دستور الأخلاق في القرآن

الّتي يملكها . فمن ذا الّذي يستطيع أن يضيف إلى ذلك ، أن يقتطع منه شيئا دون أن يخطئ بالزيادة أو بالنقص ؟ . إننا حتّى الآن قد أرسينا بين المشرّع ، والإنسان العامل نوعا من التّعاقد ، يقدم كلّ منهما بموجبه جزءا من تحديد الواجب الحسي . واشتراك الفرد في السّلطة التّشريعية يتمثل إذن على أنّه نوع من التّعاون ، أساسه تقسيم العمل ، وهو تعاون يتكامل فيه الجانبان دون أن يتداخلا ، وبحيث يبقى الشّريكان مستقلين ، أحدهما عن الآخر ، فلا يلتقيان إلّا في منتصف الطّريق . وهناك في الواقع ما هو أكثر ، وأفضل ، فحين نلتحم بالقانون المقدس يتمثله ضميرنا ، ويحميه ، ويجعله نفسه ، حتّى كأنّما كان يسهم في خلق الحقائق الأزلية ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى ، إننا بتركيبنا لمختلف القواعد المقررة ، وضبطها على موقفنا - لا نفعل ذلك في غيبة المولى ، بل تحت سلطانه ، ورعايته ، ورقابته . فنحن نستلهمه دائما ، كما لو كان يواصل في أعماقنا دوره كمشرّع ، حتّى في أدق التّفاصيل . وبذلك نستطيع القول بأنّه ليس بين العامل ، وواضع الشّرع « مشاركة » فقط ، بل اتحاد ، أو قلّ : هو « اندماج » بين إرادتين . فأية فلسفة من الفلسفات الأرضية ، استطاعت أن تحدث هذه المصالحة الوثيقة بين مطالب متعارضه على وجه الإطلاق ؟ . إنّه لن يفي بهذه المهمة - في رأينا - سوى الأخلاق الدّينية ، وهو ما نهضت به بحق - الأخلاق القرآنية ، على وجه الكمال .