محمد عبد الله دراز
233
دستور الأخلاق في القرآن
الّتي قد نصوغها تحديدا ، تشتمل بالضرورة على بعض الجوانب غير المحددة ، ومن ثمّ فبيّن غير المحدد ، والمحدد يوجد كلّ التّأثير الممكن ، لا بالنسبة إلى الاختيار الحرّ لضمير نفسي فحسب ، وإنّما أيضا بالنسبة إلى التّقدير الذكي للضمير الأخلاقي . ذلك أنّ الخصائص المميزة لعمل الفرد لا يمكن تجاهلها كلّها ، كما لا يمكن تقديرها كلّها ، وهي كذلك تحمل في أغلب الأحيان هذه الصّفة المزدوجة ، سواء أكان ذلك على التّوالي ، بحسب الحالات ، أم في الآن نفسه بحسب الرّأي الّذي نأخذ به . وإذن فلا بد من جهد فردي ، وبصيرة خاصة لتقديرها بقيمتها الحقيقية ، وليختار منها ما يفرض منطقه أكثر . هذا اللّجوء إلى الجهد الفردي لتحديد واجب الفرد في علاقته بالواقع الموضوعي ، هو واجب شامل يقع على عاتق الإنسان صاحب الدّنيا ، وصاحب الدّين ، وذلك بصرف النّظر عن إيجاد امتياز مقصور على المتخصصين القادرين على التّشريع . فهناك ضرورة تواجه كلّ فرد متى ما أريد الانتقال من المفهوم الأخلاقي إلى العمل الأخلاقي . وكما أنّ القاضي يجب عليه أن يمحص كلّ حالة ، ليتحقق جيدا من أنّها فعلا الحالة المنصوص عليها في صيغة هذا القانون ، أو ذاك الحكم ، فإنّ كلا منا ملزم بأن يفتي لنفسه إذا ما كان الوجه الّذي يزمع تحقيقه موافقا فعلا لشرائط القاعدة « 1 » . ولنأخذ على ذلك مثلا ، القاعدة الأخلاقية الّتي تأمرنا بأن نرعى حاجات اليتامى . فهذه القاعدة لا تشير بالنسبة إلى كلّ ظرف - إلى وزنه ، ودرجته ، ونوعه ، وصفته الكافية ، والمناسبة .
--> ( 1 ) انظر ، المستصفى للغزالي : 2 / 230 - 231 ، والشّاطبي في الموافقات : 4 / 89 - 105 .