محمد عبد الله دراز
232
دستور الأخلاق في القرآن
الخير ، والشّر يجيب : ( استفت قلبك ، واستفت نفسك ، البرّ ما اطمأنّت إليه النّفس ، واطمأنّ إليه القلب ، والإثم ما حاك في النّفس ، وتردّد في الصّدر ، وإن أفتاك النّاس ، وأفتوك ) « 1 » . ولكن ، قد يثور اعتراض ، إذا ما نظّم الشّرع - فيما عدا هذه الحالات المشتبهة النّادرة نسبيا - كلّ شيء ، وهو اعتراض يقول بأنّ الضّمير الفردي لا يقوم بأي دور في تقرير الواجب . ونجيب على هذا : بأنّ الاعتراض سوف يكون محقا ، إذا كانت القاعدة قادرة دائما على تعيين جميع الأفراد الذين تحكمهم - أوّلا - ، وعلى التّنبؤ بعد ذلك لكلّ فرد بجميع الحالات الّتي يتعين عليه حلّها ، ثمّ تقدم له أخيرا في كلّ حالة ، صورة محسوسة لحكمها الإجماعي ، متفقا مع القواعد الأخرى . وبعبارة أخرى ، سوف يكون الاعتراض محقا لو لم توجد سوى طريقة واحدة لإدراك القاعدة ، وطريقة واحدة لتطبيقها ، والتّوفيق بينها وبين القواعد الأخرى . ولكن الواقع لا يتفق مطلقا مع هذه النّظرة من نواحيها الثّلاثة . ولو افترضنا أنّ النّقطة الأولى قد حلت فلسوف نعرف ببساطة أنّ أكثر القواعد
--> ( 1 ) انظر ، مسند أحمد من طريق وابصة : 4 / 228 ، صحيح مسلم : 4 / 1980 ح 2253 من حديث النواس ، المجموع : 9 / 150 ، سنن الدّارمي : 2 / 320 ح 2533 ، معتصر المختصر : 2 / 208 ، مسند أبي يعلى : 3 / 162 ح 1587 ، جامع العلوم والحكم : 1 / 249 ، التّرغيب والتّرهيب : 2 / 351 ح 2683 ، فتح الباري : 1 / 221 ، تفسير القرطبي : 7 / 39 ، حيث قال : هذا القول زندقة وكفر ؛ لأنّه إنكار علم من الشّرائع فإنّ اللّه قد أجرى سنته ، وأنفذ كلمته بأنّ أحكامه لا تعلم إلا بواسطة من قبل رسله ، أو السّفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه . وفي قول آخر للقرطبي : يقتل قائله ، ولا يستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب ، فإنّه يلزم منه هدم الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله .