محمد عبد الله دراز

229

دستور الأخلاق في القرآن

أليس هذا هو نفس إدراك « التّكليف » الّذي يستخلص من المفاهيم القرآنية ؟ ولنستمع إلى القرآن وهو يقول : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ « 1 » ألا نرى فيه من أوّل وهلة الخط الفاصل الّذي يميز هذه الصّيغة من الأخريات ؟ ؟ ليست هذه هي الصّيغة : « افعلوا ما يبدو لكم حسنا » تبعا لإلهام اللحظة . وليست هذه أيضا صيغة الواجب الصّارم على سبيل القهر ، دون استثناء ، أو تعديل . ليست هذه أو تلك ، ومع ذلك فهي تتفق معهما في امتدادهما العميق . بهذه الكلمات الجامعة البيّنة يلفت القرآن أنظارنا نحو السّماء ، وهو يثبتنا على أسس متينة من الواقع . وهكذا نجد طرفي السّلسلة وقد اجتمعا : صعود نحو المثل الأعلى ، وإنقاذ للفطرة ؛ خضوع للقانون ، وحرية للذات . ولكن ، هل ترون أنّ هذا ممكن ؟ ! ألا يجوز أن يتنافر هذان الطّرفان المتعارضان ؟ . أو لا يجوز لكلّ فرد ، منذ اللحظة الّتي يصرّح له فيها بتحديد واجبه بالنسبة إلى حالته الخاصة - أن يتجاوب مع نوازعه الطّارئة ، ويطرّح بهذا سلطة الأمر ؟ . - هذا ما لا يحدث أبدا ، لأنّ الضّمير الّذي يخاطبه القرآن ليس ذلك الضّمير الفارغ ؛ غير المهذب ، المتروك دون مرشد غير حالته البدائية ، على ما عليه إنسان الطّبيعة لدى « روسو » . وليس هو أيضا ضمير ذات مختلفة ، كالذات الخالصة [ M oitranscendental ] ، لدى « كانت » . إنّه ضمير يجمع شرطين لم يجتمعا خارجه قط ، فهو أوّلا مستنير ، بفضل تعليم

--> ( 1 ) التّغابن : 16 .