محمد عبد الله دراز
224
دستور الأخلاق في القرآن
يغضبنا . ولنعترف بأنّ هناك رباطا طبيعيا بين هذين الحكمين ، ولكن هذا لا يمنع من أن نحدث هنا تفرقة هامة : فإنّ حكمنا التّقديري نفسه هو واقع ملحوظ ، حدث نفساني ينبع من التّجربة بما أنّه يقع تحت ملاحظتنا الباطنة ، ولكن ما ينصب عليه هذا الحكم هو « قيمة » تستعصي بموجب تحديدها على كلّ تجربة ، وتتجاوزها لا نهائيا . فالتجربة لا تفعل - إن صح هذا التّعبير - أكثر من امتياح بئر « القيمة » نقطة بعد نقطة ، مع هذا الشّعور الغريب بملامحها الخاصة ، وبأنّها معين لا ينضب . والقيمة ذات طابع مطلق ، فهي ليست مسجلة في الزّمان ، مع أنّ عنصر الزّمان يمكن أن يوحي بها ، فلا يصح إذن أن نلجأ في حلّ لغزها إلى ما هو وقتي . ولسوف يتضاءل دور التّجربة أيضا فيما يختص بالمستقبل ، الّذي هو المجال الوحيد للعمل الأخلاقي ، ( فهذا العمل ليس من باب ما هو كائن ، بل من باب ما ينبغي أن يكون ، ومن المستحيل - من ناحية أخرى - أن نقرر عمل بعض الأشياء في الماضي ، أو في نفس اللحظة الّتي يتم فيها اتخاذ القرار ) . فمما لا حاجة إلى ذكره ابتداء : أنّ التّجربة بمعناها الصّرف ليست هي الّتي تبيح لي أن أستخلص أنّ الأشياء إذا ما كانت قد حدثت حتّى الآن بطريقة ، أو بأخرى - سوف تحدث غدا ، ودائما بنفس الطّريقة . فهذا الاستقراء يجد أساسه المنطقي في اعتقادنا بثبات الطّبيعة ، والأمر كذلك بالنسبة إلى قانون الأعداد الكبيرة ، الّذي يجب أن يفترض عدم تدخل الأسباب الجديدة ، القادرة على خلخلة المعدل المتوسط لحسابنا .