محمد عبد الله دراز

221

دستور الأخلاق في القرآن

وقد رأينا ، كيف حاول « كانت » - انطلاقا من الفكرة القائلة بأنّ جوهر العمل الخير أنّه حقّ بالنسبة إلى جميع الإرادات - أن يولّد من هذا المبدأ بعض الصّيغ الأقل تجريدا ، ثم من هذه بعض القواعد الأكثر مادية . وأخيرا ، فإنّه بمجرد أن كشف عن هذه الصّيغة ثبّتها إلى الأبد في أطرها الصّارمة الثّابتة ، وأغلق بعضها على بعض ، كأنّها أعداد ليبنزية « 1 » . فمشكلة صراع الواجبات لم تواجهه إذن ، لأنّ كلّ شيء مرّ تحت نظره ، كأنّه محكوم بصيغة معينة واحدة . ولقد كان « روه » على حقّ حين أعلن عجز جميع القواعد المجردة عن أن تحكم بنفسها واقعا ماديا ، وكما أنّ من المستحيل أن نحدد نقطة خريطة ، دون الرّجوع إلى نقط أخرى كثيرة ، أو أن نفسر كلمة في نصّ ، دون أن نرعى السّياق ، أو أن يملك فن العلاج ضمان فاعلية دواء معين ، دون أن يلاحظ مزاج المريض ، وسائر اتجاهات مرضه - فكذلك رجل الأخلاق ، لا يستطيع أن يغفل في السّلوك الإنساني عامل المكان ، والزّمان ، لأنّ السّلوك في جوهره مكاني - زماني . وسلوكنا خلق واقعيّ يتجه إلى الاندماج في عالم الواقع ، فليس يكفي إذن أن يكون ممكنا من النّاحية المنطقية ، بل يجب أيضا أن يكون قابلا للتحقق من النّاحية العملية ، وأن يجد مكانه وسط الوقائع الّتي تحوطه ، بحيث لا يكون ممنوعا بواسطة الأحداث الّتي تسبقه ، ولا مدفوعا بالأحداث الّتي تلحقه . فلا

--> ( 1 ) نسبة إلى الفيلسوف الألماني جوتفريد ليبنز [ Gottfrid leibniz ] المولود في ليبزج ( 1646 م - 1716 م ) ، وهو أحد الذين نادوا بالفلسفة المثالية ، ويرى أنّ جميع الكائنات قد نشأت على أساس أعداد يوجد فيما بينها توافق سبق إقراره ، وقد انته إلى فلسفة تفاؤلية . « المعرب » .