محمد عبد الله دراز

217

دستور الأخلاق في القرآن

يجب أن أدافع عن حقي باعتباري « إنسانا » ، أي : باعتباري أمينا على هذا المبدأ المقدس ، مبدأ الإنسانية . لكنا إذا تعدينا واجب « العدالة » فهناك واجب « الرّحمة » ، ألا يتطلب هذا الواجب أيضا أن يطبق بصورة شاملة ؟ ولما كانت الرّحمة تستتبع بالأحرى إغضاء وتسامحا ، فإنّ الأخلاق المسيحية الّتي تأمرنا في هذا الصّدد بأن نحب حتّى أعداءنا - كانت أكثر إخلاصا لمبدأ الواجب الكلي الشّامل من الأخلاق الكانتية . وهنا نشهد اعترافا ضمنيا بأنّ العمومية لا يمكن أن تتوافق مع واجب إلا إذا قوضت عمومية واجب مناقض له . والحقّ أنّ الأمر الحتمي غير المشروط لا يمكن أن يتخيّل بالمعنى الدّقيق للكلمة ، أعني : من وجه مطلق ، غير محدود ، لا بالتجربة ، ولا بالإدراك ، ألا إذا قبلنا مبدأ الواجب الوحيد ، وبما أنّ هنالك تعددا في الواجبات ، وينبغي أن يوجد هذا التّعدد ، فإنّ هناك حالتين ممكنتين : فإمّا أنّ الأمرين سوف يمضيان متوازيين ، دون أن يضيق أحدهما بالآخر ، وإمّا أنّ كلا منهما سوف يتجه إلى مناقضة الآخر ، لا إلى محايدته فحسب . وفي الحالة الأولى ، لا توجد أية صعوبة عملية ، فنحن مثلا ينبغي ألا نكذب ، وألا نقتل ؛ وهذان واجبان متوافقان تماما ، ومن الممكن أن يمضيا معا . ولا ريب أنّه ليس من الضّروري أن يفرضا دائما في وقت واحد ، لأنّ أحدهما خاص « بالكلام » ، والآخر خاص « بالعمل » . بيد أنّ الحدود المرسومة لكلّ منهما لم تفرض عليه من خارجه ، بل بنصه نفسه ، ومن تحليل مفهومه الخاص ، وهو عمل يتناسب مع ممارسة الإدراك الإنساني ، مستقلا عن كلّ عنصر تجريبي . أمّا في حالة التّصادم بين الواجبات ، فتتفجر صعوبات عظيمة الخطر ، وإليك