محمد عبد الله دراز
216
دستور الأخلاق في القرآن
وقد كان من الواجب أن يؤدي منطق هذه الثّنائية في الطّبيعة الإنسانية إلى تأكيد نوع من التّفرقة ، لا بين الشّخص والفرد فحسب ، أي : بين ما آل إلينا على صورة الاشتراك ، وما يعزى إلى كلّ إنسان بمفرده ، ولكن أيضا بين حقوق العقل وحاجات الجسد . ولكنا نرى « كانت » يدافع مع الجميع عن حقّ النّاس في الأمن ، والواجب الصّارم ألا يعتدي أحد على أجسامهم ، وأموالهم ، كما يحرّم الاسترقاق والسّخرة في جميع أشكالها . وإذن ، فلم نكن بحاجة إلى كلّ هذه الدّقة في التّحليل ، لنصل في النّهاية ، إلى ترديد أمور تافهة ، وأعم من أن يتضمنها المبدأ الّذي أعلنه . ألسنا نرى هنا أنّ النّتيجة تتضمن أكثر مما في المقدمات ؟ . وإذا كان الاحترام يمكن أن يمتد إلى العنصر المحسوس في الإنسان ، ويجب أن يكون كذلك ، فلما ذا نرفض امتداده إلى العنصر المحسوس في مجال آخر ؟ . ولما ذا كان من المسموح به أن نعامل الحيوانات على أنّها أشياء ، سواء أكنّا نستأنسها أم كنّا نذبحها دون تحرج ؟ وهناك اعتبارات أخرى غريبة عن المنطق المحض ، لا مناص من أن تدخل في تفكير المشرع ، كيما تطبع نتائجه بذلك الطّابع غير المتكافئ ، تارة بتوسيعها ، وتارة بتضييقها . وأمّا كون تلك الصّيغ الفرعية سقيمة التّوافق مع المبدأ ، فذلك عندما يحظر علينا هذا المبدأ أن نسمح لأي امرئ أن يمسّ حقوقنا ، فإمّا أنّ الكلمات قد فقدت مدلولها ، وإمّا أنّ أي « حقّ » من حيث هو هو ، لا ينشئ « واجبا » قبل من يملكه ، بل في مواجهة الغير . فإذا كان هذا فعلا حقي فأنا حرّ في أن أستمسك به ، أو أتنازل عنه لمن أشاء . ولنقرر ، بنوع من انفصام الذات ، أنني باعتباري « فردا »