محمد عبد الله دراز
212
دستور الأخلاق في القرآن
بحيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أنّ اللّه لا يأمر بشيء لأنّه حقّ في ذاته ، بل إنّ ما يأمر به اللّه هو حقّ ، لأنّه أمر به فحسب . فهناك فقط تغيير في المصطلحات ، فحيث يقول رجال اللاهوت : « هذا أمر علوي من اللّه » . يقول كانت : « هذا أمر حتمي من العقل المحض » والفرق بينهما ، مع ذلك ، هو أنّ رجال اللاهوت يجدون في الكمال الإلهي ضمانا واقعيا ضد الأوامر الظّالمة ، فأي ضمان نجده في هذا المفهوم التّجريدي للعقل المتسامي ، اللّهمّ إلا إذا طابقنا بينه وبين العقل الإلهي ؟ ولا يخطئنّ أحد في إدراك فكرتنا ، فنحن نميز في الشّكلية الكانتية جوانب كثيرة ، ما دامت تستخدم قانون العقل المحض في نواح متعددة ، فهذا القانون مبدأ موضوعي ، يحدد السّلوك وموضوعاته : ( الخير ، والشّر ) ، وهو في الوقت ذاته مبدأ شخصي ( دافع ) يوجه الإرادة نحو الطّاعة « 1 » . ونحن نميل بالنسبة إلى هذه النّقطة الأخيرة ألّا نثير أية صعوبة ، بل على العكس من ذلك ، نحن نعترف بأنّ الشّكل الصّرف للقانون قادر قدرة كاملة على أن يؤثر في الضّمير الأخلاقي . فأداء المرء للواجب ، لأنّه واجب ، دون أن يبالي بالخير الأخلاقي الّذي يستهدفه - هو تعريف للإرادة المخلصة بإطلاق . ولسوف نبيّن « 2 » أنّ ذلك هو المثل الأعلى للأخلاق القرآنية ؛ فالمرء لا يسأل طبيبه الّذي يثق به عن أوامره ، لأنّ المناقشة هنا هي الارتياب ، فهل الأمر كذلك فيما يتصل - لا بالسلوك - بل بالحكم ، والتّقدير ، والأمر المفروض ؟ . وهل
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Kant : Crit . p . 79 ( 2 ) انظر فيما بعد ، الفصل الرّابع ، فقرة : 2 - 1 .