محمد عبد الله دراز
199
دستور الأخلاق في القرآن
أصالة العامل النّفسي ضد فكرة صرامة المنطق : النّظرية الكانتية ، ونظرية روه [ Rauh ] . [ مذهب ] « كانت » : من المعروف أنّه - لكي يقاوم هذا الفيلسوف الألماني بعض النّظريات الّتي روضت الأخلاق حين أخضعتها لجميع مطالب الحياة الدّنيوية - لم يكتف الرّجل برسم خط فاصل بين فكرة الأخلاق ، وفكرة الحياة الحسية ، بل مضى إلى أبعد من ذلك ، وأمعن في البعد ، فهو لم يكتف بأن جرد مفهوم الواجب من كلّ تجربة حسية ، وكلّ واقع مادي يمكن أن ينطبق عليه ، بل إنّه خلصه أيضا من صفته الخاصة ، من مادته التّكوينية الّتي تظهر في هذه القاعدة ، أو تلك ، فلم يبق له سوى صفته الشّكلية ، وهي أنّه قانون شامل صالح لجميع الإرادات ، وقد استخلص من ذلك هذا التّعريف للواجب ، فهو : « كلّ سلوك يمكن أن يصاغ في قاعدة عامة ، دون أن يكون عرضة لنقد العقل ، أو تسخيفه » « 1 » . ولقد أعتقد كانت - اعتمادا على هذه الصّيغة المجردة إلى أقصى حدّ - أنّه يستطيع أن يستنبط علم « الواجبات الأخلاقية [ la Deontologie Ethique ] على ما قاله بنتام [ Bentham ] ؛ أعني : علم الواجبات الحسية الخاص بكلّ مفهوم عملي ، وذلك بتقدير كلّ سلوك عملي من حيث هو أخلاقي أو غير أخلاقي ، عن طريق وزنه بذلك الميزان الوحيد ، وهو صلاحيته لأن يصبح قانونا عاما . أمشروع من هذا القبيل يمكن أن يتحقق فعلا ؟ وهل أساس هذا البناء ذاته متين بحيث يدعمه ؟ . إليك من وجهة النّظر الّتي تهمنا تخطيطا للفكر الكانتي ،
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Toute action dont la maxime peut sans absurdite ? e ? tre universalise ? e .