محمد عبد الله دراز
196
دستور الأخلاق في القرآن
يحس كلّ فكر أخلاقي بأنّه محير فيما بينها ، والّتي ينبغي حيالها أن يتخذ موقفا ، أيا كان ، ومن بين هذه التّناقضات نذكر اثنين رئيسيين : أوّلا - وحدة ، وتنوع حقيقة لا ريب فيها أنّه إذا كانت الأخلاق علما فيجب أن تبنى على أساس قوانين شاملة ، وضرورية ، لا أن تقوم على قضايا خاصة ، وممكنة . وليس بأقل من ذلك صدقا أنّه إذا كانت الأخلاق علما معياريا ، موضوعه تنظيم النّشاط الإنساني فيجب أن تتناول الحياة في واقعها المحسوس . ولما كانت الحياة في جوهرها هي التّنوع ، والتّغير ، والجدة ، فسوف نجد أنفسنا إذن أمام التّتابع التّالي : فإمّا أن يكون نموذج السّلوك الّذي يقدمه لنا هذا العلم قد جاء ليكون ثابتا وعاما . وإمّا أن يكون قابلا للتنويع ، والتّعديل . وفي حالة الفرض الأوّل سوف ترتد الإنسانية إلى نموذج وحيد متماثل مع نفسه دائما ، وسوف يختصر المكان إلى نقطة ، والزّمان إلى برهة ، وسوف تتوقف حركة الكون ، وسوف تمحى الحياة ذاتها ، لتحل محلها فكرة مجردة ، لا توجد إلا في تخيل عالم الأخلاق [ Le moraliste ] . ولو أننا - على العكس - أخذنا في اعتبارنا أنّ العمل المفرد يتصف بالتفرد ، ويستعصي على الاندماج في فكرة عامة ، وهو خاضع فقط لتأثير الزّمان ، واختلاف المكان - فلن يكون هناك مجال للحديث عن قاعدة ، أو قانون ، أو علم . . فما ذا تكون في الواقع قاعدة مصيرها إلى الموت بمجرد تخلقها ؟ وما