محمد عبد الله دراز
192
دستور الأخلاق في القرآن
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ « 1 » ، وقوله : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً « 2 » ، فهو يضع فضيلة الإسماح [ Condescendance ] فوق ( الحقّ الثّابت ) ، ويلح بخاصة على فضيلة ( الإحسان ) ، واسمع في ذلك قوله تعالى : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ « 3 » . وإمهال المدين عندما يكون عاجزا عن الوفاء - واجب ، ولكن إعفاءه نهائيا من دينه بادرة جديرة بالثناء . وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ « 4 » . والدّفاع عن النّفس ضد الظّلم حقّ ، ولكن التّحمل ، والمغفرة أجمل . وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ « 5 » . وأداء الفرائض خير ، ولكن وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ « 6 » . في مقابل هذه الدّرجات للقيمة الإيجابية ، والّتي سبق أن ذكرناها في المفهوم الأخلاقي للخير ، في القرآن - من اليسير أن نتعرف درجات القيمة السّلبية الّتي وضعها القرآن على النّقيض . بيد أنّ سلم القيم ، مع هاتين القائمتين المتوازيتين لمّا يستنفد ، حتّى في سطوره البارزة ؛ ذلك أنّه سلّم ثلاثي ، يتقارب فيه هذان الطّرفان المتضادان
--> ( 1 ) البقرة : 219 . ( 2 ) الفرقان : 64 . ( 3 ) البقرة : 237 . ( 4 ) البقرة : 280 . ( 5 ) الشّورى : 41 - 42 . ( 6 ) البقرة : 158 .