محمد عبد الله دراز
190
دستور الأخلاق في القرآن
الشّرعي من نشاطنا . وهنالك مقياس تستطيع الضّمائر الطّاهرة أن تلمح به الحدّ الأعلى ؛ الّذي يتحول عنده معنى كلّ فضيلة إلى نقيضها ؛ حين تلحق الضّرر بفضيلة أخرى . بيد أنّ هذا الحدّ الأعلى ؛ الّذي يختلف تبعا لاستعداد كلّ فرد ؛ وتبعا للظروف الّتي يمر بها - لا يحدد ميدان الخير الأخلاقي إلّا على نحو جزئي ؛ وسلبي ؛ إذ لما كان الميدان رحبا عرف كلّ فرد فيه درجات مختلفة من الفضل ، والاستحقاق ؛ بحيث يستتبع النّقص في درجة ، أو في أخرى ؛ تارة تأنيبا قاسيا ؛ وأخرى عتبا رقيقا ، أو عتابا شديدا ؛ وثالثة لا يثير أدنى رد فعل في الضّمير . أليس معنى هذا أنّ الفرد قد عرف ضمنا أنّ فكرة الخير يجب أن تتضمن قيمتين مختلفتين : حدا أدنى إلزاميا ؛ وإضافة أكثر إغراء بالثواب ؟ . إنّ الضّمائر لا تخطئ في هذا ؛ ولكنها تخطئ عندما تريد أحيانا أن تأخذ الجانب الإلزامي على أنّه أدنى الدّرجات الممكنة ، وهو مقياس لا يجد فيه النّاس ما يبلغ رضاهم بصفة عامة . أمّا أهل الصّلاح من النّاس فهو أكثر إلحاحا ؛ إنّه يقدر لنفسه بطريقة مبهمة - قدرا وسطا من الخير لا يستطيع أن يقيسه قياسا دقيقا ، فكيف نبلغ في الواقع تحديد هذا القدر المتوسط بالنسبة إلى كلّ واجب من واجباتنا ؟ ليس هناك أي مقياس عقلي ، وموضوعي يستطيع أن يقدمه العقل الإنساني . فهل نركن إلى الضّمير الفردي ؟ . . ليس هناك اتّفاق في هذا الصّدد ، فهل نحاول وضع حدّ اتفاقي ؟ إنّ هذا يعني اللجوء إلى التّحكم ، والاعتساف . وهكذا نجدنا بحاجة ماسة إلى هذه التّحديدات .