محمد عبد الله دراز
187
دستور الأخلاق في القرآن
فسوف نصادف هنا سلما من القيم الإيجابية ، والسّلبية ، رتبت بعلم ، وتنوعت في وفرة . ولو أننا - بادئ ذي بدء - نحينا جانبا الواجبات الأولية المحددة الّتي لا يؤدي تطبيقها إلى أدنى لبس ، مثل : ( لا تكذب - أدّ الأمانة - كن في حاجة الآخرين . . ) لبقي أمام الفضيلة المبدعة ، والبناءة ميدان نشاط متراحب ، يضم عددا لا ينتهي من الدّرجات ، كلّها ممكنة ، وعملية ، فهل يجب استيعابها ؟ أو أنّه يكفي الإجتزاء ببعضها ؟ . وبعبارة أخرى ، هل الخير والواجب فكرتان متطابقتان ؟ وهل لا يوجد فوق السّلوك الملزم بشكل صارم درجات يتزايد استحقاقها للثواب ، ويصح تجاوزها دون ارتكاب موقف غير أخلاقي ؟ إنّ رجوعنا إلى الضّمائر الفردية سوف يصطدم بأنّ كلّ النّاس ليس لديهم نفس القدر من التّشدد ، ولا نفس الطّاقة الأخلاقية ، ويترتب على ذلك أنّ التّنوع في الإجابات يرينا كثيرا من الاتجاهات المتعارضة ؛ فعلى حين أنّ الأنفس ذات العزيمة القوية « 1 » تجعل واجباتها في أعلى درجات الكمال الممكن ، وبذلك يتطابق لديها المفهومان « أي ؛ مفهوم الواجب ، والخير » يتجه الكافة بعكس ذلك إلى ما هو أقل وأدنى ، ليحددوا الواجب على أنّه الحد الأدنى من النّزعة الإنسانية وحسن المعاشرة . وعلى الرّغم مما يدعيه « كانت » فإننا نتردد في وضعه بين الفلاسفة الذين يؤيدون ارتباط فكرة الإلزام بفكرة الخير ؛ بالمعنى الواسع الّذي نقصد إليه من
--> ( 1 ) انظر ، مثلا الغزالي في الإحياء : 4 / 10 ، وكذلك أبو المعالي ، الّذي يرى أنّه لا توجد خطيئة عرضية ، فكلّ شرّ أخلاقي هو كبيرة « أبو المعالي بالإرشاد - ذكره الشّاطبي في الموافقات : 3 / 253 » .