محمد عبد الله دراز
184
دستور الأخلاق في القرآن
تُفْلِحُونَ « 1 » . هذا المسلك اليسير المتدرج يدعونا إلى أن نتذكر الطّريقة الّتي يستخدمها الأطباء المهرة لعلاج مرض مزمن ، بل أن نتذكر ، بصفة عامة ، المنهج الّذي تلجأ إليه الأمهات لفطام أولادهن الرّضع ، ذلك أنّ هذه الوسائل الّتي خلت من العنف والمفاجأة تدعو الجهاز الهضمي إلى أن يغير نظامه شيئا فشيئا ، ابتداء من أخف الأطعمة ، حتّى أعسرها ، مارا بجميع الدّرجات الوسيطة . ألا ما أعظم رحمة اللّه الّتي ترفقت بالعباد ، على نحو لم يبلغه فن العلاج ، ولا حنان الأمّهات ! ! هذا الجانب التّدريجي الّذي درسناه لا يقتصر وجوده على بضعة أمثلة فحسب ، بل هو ينطبق أيضا ، وبطريقة جد واضحة ، على الأخلاق القرآنية في مجموعها ، كما ينطبق على النّظام الإسلامي بعامة . ومن المعلوم أنّ القرآن الّذي يقوم في هذا النّظام بالدور الرّئيسي - لم يجيء إلى النّاس كتابا ، جملة واحدة ، على نحو ما نراه اليوم ، فلقد ظهر بعكس ذلك - نجوما تتفاوت في كمها ، خلال نيف وعشرين عاما ، تنقسم إلى مرحلتين متساويتين تقريبا : المرحلة المكّية ، والمرحلة المدنية . ومن اليسير ملاحظة أنّ الآيات الّتي نزلت في المرحلة الأولى كان موضوعها الأساسي دعم الإيمان ، وتثبيت المبادئ ، والقواعد العامة للسلوك ، وأنّ ما سوى تعاليم الصّلاة والمعاش ، وهو تطبيق هذه القواعد العملية على حلول المشكلات الخاصة ، الأخلاقية ، والشّرعية - كان كلّه تقريبا مقصورا على المرحلة الثّانية .
--> ( 1 ) المائدة : 90 .