محمد عبد الله دراز

159

دستور الأخلاق في القرآن

السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ « 1 » . أشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ جثوا على الرّكب فقالوا : يا رسول اللّه ، كلفنا عن الأعمال ما نطيق : الصّلاة ، والصّوم ، والجهاد ، والصّدقة ، وقد أنزل اللّه هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ . بل قولوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ « 2 » . وهنا نزل هذا النّص التّفسيري المذكور آنفا ليقول لهم : « إنّ التّكليف لا يتوجه إلى الإنسان إلّا في حدود وسائله ، وهكذا أدركوا أنّ أحوال النّفس الّتي لا تخضع للإرادة ليست في الواقع ، ولا يمكن أن تكون - موضوعا مباشرا للتكليف ، فضلا عن الوساوس ، والغرائز ، والشّهوات ، والميول الفطرية . ولذا ، فإنّ جميع الأوامر ذات الاتصال بالحبّ ، أو البغض ، وبالخوف ، أو الأمل - قد فسرت عقليا لدى الشّراح على أنّها قد جاءت لتحكم عملا سابقا نشأت عنه هذه الحالات ، أو عملا مصاحبا ، أو لاحقا ، ولكنه لا يمكن أن يكون من قبيل الإرادي . وهكذا نجد أنّ حبّ اللّه ، وهو حالة عاطفية ولا إرادية في

--> ( 1 ) البقرة : 284 . ( 2 ) البقرة : 285 . وللحديث بقية في المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم : 1 / 194 ح 326 ، معتصر المختصر : 2 / 163 ، مسند أحمد : 2 / 412 ح 9333 ، والطّبري في تفسيره : 3 / 97 ، زاد المسير لابن الجوزي : 1 / 295 ، تفسير ابن كثير : 1 / 345 ، لباب النّقول للسيوطي : 39 ح 284 ، فتح القدير للشوكاني : 1 / 305 .