محمد عبد الله دراز
151
دستور الأخلاق في القرآن
وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ « 1 » . وهكذا يكون للفرد أمام الواجب الاختيار بحسب الواقع ، ولكنه لا يملك هذا الاختيار شرعا . فالضرورة الأخلاقية ليست إذن ضرورة وجودية ، بل هي ضرورة مثالية . ومع ذلك يجب ألّا نلبسها بالضرورة المنطقية ، فكلّ ما هو ضروري منطقيا يفرض نفسه على العقل مسلمة من المسلمات ، إذ ليس بوسع المرء ألّا يرى ما رآه جليا ، وكلّ ما هو ملزم أخلاقيا يفرض نفسه على الإرادة على أنّه شئ لمّا يكن ، ولكن يجب أن يكون . وهو ينتج من حكم على قيمة ، لا من حكم على واقع . وهكذا يتمثل سلطان الواجب بطابعه الخاص الأصيل ، فهو لا يقهر الجوارح ، ولا يكره المدارك ، ولكن يفرض نفسه بخاصة على الضّمير . ومع ذلك أعتقد « كانت » أنّه يستطيع أن يرد اللاأخلاقي [ L'immoral ] إلى ما ينافي المنطق [ L'absurde ] ، وإلى اللاعقلي [ L'irrationnel ] . وكان من قوله : « إنّ أي مبدأ خاطئ لا يمكن أن يقوم على هيئة قانون شامل دون أن يؤدي إلى تناقض ، سواء في مفهومه ذاته ، أو في الإرادة الّتي تريد رفعه إلى مرتبة الشّمول » « 2 » . لقد نظر برجسون في بعض الأمثلة الّتي رأى الفيلسوف الألماني أن يستشهد بها على نظريته ، ثم أعلن أنّه لا يستطيع أن يوافقه على رأيه إلا بشرط أن يفهم
--> ( 1 ) النّور : 54 . ( 2 ) انظر ، : 1 - Kant : Fondement de la me ? taphysique des moeurs , p . 142