محمد عبد الله دراز

141

دستور الأخلاق في القرآن

فالإمام مالك يوافق على هذه البرهنة القياسية ، لا استنادا إلى نصّ محدد فحسب ، يضع نفس الحل لمشكلة محددة مماثلة للمشكلة المدروسة ، بل كذلك استنادا إلى الطّرق العامة الّتي لجأت إليها الشّريعة في مواضع لا تحصى ، أقل شبها ، أو أكثر بما نحن بصدده ، والّتي تستخرج من مجموعها تلك الفكرة الثّابتة الّتي تقول : إنّ هذا النّوع من الخير هدف جوهري يسعى الشّرع لتحقيقه بكلّ الوسائل الممكنة . فالحالة الجديدة حينئذ لا تقدم لنا سوى وسيلة أخرى يجب أن تستخدم عندما تفرض بدورها نفسها ، لتحقيق هذا الخير النّوعي الّذي يسميه مالك : المصلحة المرسلة « 1 » . وبفضل هذا المبدأ ، استطاع هذا الفقيه أن يحل عددا من مشكلات الأخلاق والشّريعة في اتجاه جدا أصيل ، وإن اصطدم حينا بنصوص الشّريعة « 2 » .

--> ( 1 ) كما سبق لنا وقدمنا اعتذارا للقارئ عن تعريف القياس فكذلك هنا أيضا نحيل القارئ إلى المصادر ، كالمنخول للغزالي : 455 ، إرشاد الفحول : 358 ، الأحكام للآمدي : 3 / 298 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 382 . ( 2 ) لنأخذ على ذلك المثال التّالي : هل يجوز في حال الحرب أن نضرب في اتجاه جنودنا الذين أسرهم العدو ، واستتر خلفهم ليضربنا ويحتل أرضنا ؟ أو أنّ من الواجب - على عكس ذلك - أن نمسك عن الضّرب رعاية للنصّ الصّريح الّذي يمنعنا أن نستبيح دم بريء ؟ . . واللّه يقول : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( الأنعام - 151 ) . يجيب الإمام مالك عن هذا السّؤال مرجحا الأخذ بأخف الضّررين ، ويعلل لذلك بأننا لو بقينا دون عمل ، احتراما لهذا العدد القليل من جنودنا ، الذين جعلهم سوء الحظ درعا للعدو ، فإنّ بقية الجيش وهي الكثرة الكاثرة منه ، قد تتعرض للهلاك ، ثم أن ينجو أيضا أسرانا من نفس المصير بعد ذلك . ولا ريب إذن -