محمد عبد الله دراز

126

دستور الأخلاق في القرآن

--> - البخاريّ : 3 / 160 ، صحيح مسلم : 3 / 45 ، مسند أحمد : 4 / 245 . والجواب : يحمل هذا النوح على نوح الجاهلية ، وعلى البكاء الّذي ليس بمشروع ؛ كالذي معه اللطم ، والخدش ، والقول السّيء ؛ أمّا الّذي ليس فيه ذلك فهو مشروع لقول الإمام الصّادق عليه السّلام ، كما جاء في التّهذيب : 1 / 465 ح 1524 : « إنّ إبراهيم خليل الرّحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته » ، هذا أولا . وثانيا : لا بأس بالنوح والندب بتعداد فضائله ، واعتماد الصّدق ، وهو قول أحمد ، كما جاء في المغني : 2 / 411 ، الشّرح الكبير : 2 / 429 . وثالثا : إنّ فاطمة عليها السّلام كانت تنوح على النبي صلّى اللّه عليه وآله ، كما جاء في سنن النسائي : 4 / 13 ، سنن ابن ماجة : 1 / 522 ح 1630 ، قولها : « يا أبتاه ! من ربه ما أدناه ، يا أبتاه ! إلى جبرائيل أنعاه ، يا أبتاه ! أجاب ربا دعاه » . نحن نعلم جميعا أنّه لما قبض صلّى اللّه عليه وآله افتجع به الصّغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقلّ العزاء ، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب ، والأولياء ، والأحباب ، والغرباء ، والأنساب ، ولم تلق إلّا كلّ باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن أهل الأرض فقط ، بل أهل السّماء ، وكان أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا مولاتنا فاطمة الزّهراء عليها السّلام ، وكان حزنها يتجدد ويزيد ، وبكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، ولذا لم تطق صبرا ، إذ خرجت في اليوم الثّامن وصرخت فكأنّها من فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كلّ مكان وأطفئت المصابيح ، لكيلا تتبين صفحات النّساء ، وخيّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد قام من قبره وصار الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي عليها السّلام تنادي وتندب أباها : وا أبتاه ، وا صفيّاه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل ، واليتامى ، من للقبلة والمصلى ، ومن لابنتك الوالهة الثّكلى . إذا الحزن والبكاء من لوازم العاطفة البشرية ، ومن مقتضيات رحمته سبحانه وتعالى ما لم يصحبها شيء من منكر القول والفعل . فقد ورد عنه صلّى اللّه عليه وآله في مسند أحمد : 1 / 335 ، عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « مهما يكن من القلب والعين فمن اللّه والرّحمة ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشّيطان » . وقد بكى آدم عليه السّلام على ابنه هابيل ، حيث قال : وما لي لا أجود بسكب دمع * وهابيل تضمنه الضّريح وقد بكى إبراهيم عليه السّلام على إسماعيل عليه السّلام كما جاء في المصادر ، وبكى يعقوب عليه السّلام على يوسف عليه السّلام ، -