محمد عبد الله دراز

123

دستور الأخلاق في القرآن

فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلن في موقف معين أنّه معصوم ، حين يكون مبلغا - كما رأينا - أمرا ، بوصفه رسول اللّه ، فإذا ما بلغ رسالته ، وبيّنها للناس ، واستودعها ذاكرة الجماعة ، فإنّ النّقص الفطري الّذي لا يفتأ يصيب انتباه الإنسان مهما يكن عقله قويا ذكيا - قد يجوز أن يظهر أحيانا عنده ، ولكن مع فارق هام هو : أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يمكن أن يستمر مطلقا على رأي خاطئ ، وإذا لم يعد إلى الصّواب بالطريق المعتادة فإنّ الوحي يتدخل حتما لتصحيح خطئه ، وإقامته على الصّراط المستقيم ، وإلا وقعت الجماعة كلّها في الخطأ ، والتزمت باتباعه في طريق الضّلال . واللّه سبحانه يقول : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ « 1 » . فلو لا هذا التّقويم المستمر لنجمّ عن تخلفه أن تصبح كلّ أوامر النّبي ، وأحكامه الّتي لم يقومها الوحي - موافقا عليها ضمنا ، ولتلقاها النّاس ، ومعهم الحجة البالغة ، على أنّها أحكام إلهية . وقس على ذلك سائر أحواله . حين يعمل ، فهي معدودة من حيث المبدأ أمثلة يقتدي بها ، وينظم المسلمون على أساسها سلوكهم ، ما لم يصدر عنه ما ينقضها . وموجز القول : أنّ كلّ حديث صحيح لم يرد ما ينسخه ، وكان موضوعه جزءا من رسالة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، بحيث أصبح في نهاية الأمر تعبيرا عن الإرادة الإلهية - هذا الحديث له في نظر المسلمين نفس السّلطة الأخلاقية الّتي للنص القرآني . ولو أشتمل الحديث علاوة على ذلك ، تفصيلات ، وتحديدات ، أكثر مما أشتمل عليه

--> ( 1 ) التّوبة : 115 .