محمد عبد الله دراز
108
دستور الأخلاق في القرآن
آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ « 1 » . فالأمر إذن أمر اختيار حرّ دنيوي ، لا علوي ، وهو يرجع إلى استخدامنا الحسن ، أو السّيء لملكاتنا العليا ، وهي ملكات يزكي تثقيفها النّفس ، كما يدسيها ويطمسها إهمالها : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 2 » . والحقّ أنّ القرآن لم يقتصر على الملكات العقلية وحدها ، فلقد عنى في الوقت نفسه عناية كبيرة بإيقاظ أشرف مشاعرنا ، وأزكاها ، بيد أنّه لم يحرك هذه المشاعر إلّا تحت رقابة عقلنا ، فهو يتوجه إلينا دائما ، أعني : يتوجه إلى ذلك الجانب المضيء من أنفسنا ؛ إلى ملكتنا القادرة على أن تفهم ، وأن تقدر في كلّ شيء ما يضر ، وما ينفع ، وأن تقوم القيم المختلفة . ومن المشاعر السّامية الّتي حركها القرآن فينا - نذكر على سبيل المثال « 3 » ما جاء فيه دعما لسائر واجباتنا الاجتماعية ، بالمعنى الأوسع لكلمة : ( مجتمع ) ، ألا وهو الشّعور بالأخوة الإنسانية : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا « 4 » ، اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ « 5 » . ولقد تجلى هذا الشّعور حين قدم لنا القرآن في صورة عاطفية مؤثرة
--> ( 1 ) الأعراف : 179 . ( 2 ) الشّمس : 9 - 10 . ( 3 ) لمن أراد معرفة أوسع أن يرجع إلى الفصل المعنون « نظام التّوجيه القرآني » - المبحث الثّالث من الفصل الثّالث - م . ( 4 ) الحجرات : 13 . ( 5 ) النّساء : 1 .