محمد عبد الله دراز

106

دستور الأخلاق في القرآن

الإنسان قادر على أن يحكم أهواءه : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 1 » . وإذا لم يكن كلّ النّاس يمارسون هذا التّأثير على أنفسهم فإنّ منهم من يفعله بتوفيق اللّه له ، وهو ما قرره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في قوله : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه ، يأمره وينهاه » « 2 » . ففي الإنسان إذن قوة باطنة ، لا تقتصر على نصحه وهدايته وحسب ، بل إنّها توجه إليه بالمعنى الصّريح أوامر بأن يفعل ، أو لا يفعل . فما ذا تكون تلك السّلطة الخاصة ، الّتي تدّعي السّيطرة على قدراتنا الدّنيا ، إن لم تكن ذلك الجانب الوضيء من النّفس ، والّذي هو العقل ؟ . . ذلكم أيضا هو ما عبر عنه القرآن بألفاظه الخاصة ، حين صور حال الكافرين بين أمرين ، فقال تعالى : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ « 3 » ؟ . فها هو ذا مبدأ الطّرف الثّالث المستبعد من الأخلاق قد استبان ووضح ، إذ ليس وراء أمر العقل ، وقيادته قاعدة أخرى - سائغة - للسلوك ، فهو وحده إذن السّلطة الشّرعية . في هذه الظّروف نستطيع أن نقول مع ( كانت ) : إننا مشرعون ورعايا في آن ، وإنّ التّجربة الأخلاقية للندم لتؤكد هذا الازدواج ، فنحن عندما نقصر في واجبنا

--> ( 1 ) النّازعات : 40 . ( 2 ) الدّيلمي - مسند الفردوس ، صحيح من طريق أم سلمة ، يذكره السّيوطي في الجامع الصّغير : 1 / 17 . ( 3 ) الطّور : 32 .