محمد عبد الله دراز
104
دستور الأخلاق في القرآن
والانقياد الأعمى : قالوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ « 1 » . فهل يقدم الذين يريدون السّير على سنة أسلافهم على الانقياد لهم دون تمييز ، حتّى ولو كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ « 2 » ؟ . ففي الفرد إذن - من حيث كونه فاعلا - عنصر عقلي ، أعني : عنصرا أخلاقيا ، بالمعنى الحقّ ، وفي الأمر الخلقي عنصر آخر هو : العقل ، والحرية ، والمشروعية ؛ وتلكم هي العوامل الأساسية ، الّتي أدى إغفالها إلى نقص كبير في تحليل برجسون . ولقد يستطيع من شاء أن يقلل من شأن « الملكة الفكرية » ، وما لها من دور في تصور الأمور ، والحكم عليها ، باعتبارها الأخيرة من حيث تأريخ ظهورها ، ويستطيع أن يصر على أنّ تأثيرها ضئيل في مقاومة الشّهوات ، ولكن يبقى شيء لا شك فيه ، هو أنّ جوهر الأخلاقية ذاته يكن في نشاط ذاتنا المفكرة . ولقد أحسن ( كانت ) صنعا - برغم بعض النّقص في طريقة تقديمه لنظريته - حين أكد أنّه كشف عن مصدر الإلزام الأخلاقي ، في تلك الملكة العليا في النّفس الإنسانية ، والّتي توجد مستقلة عن الشّهوة ، وعن العالم الخارجي معا - ، إذ يقول : « أيّها الواجب ، أيّها الاسم الأسمى العظيم . . . أي مصدر جدير بك ؟ . . وأين نجد جذر ساقك النّبيلة ؟ . . لعله لا يكون - على الأقل - سوى ذلك الّذي يرفع الإنسان فوق ذاته . . . والّذي يشده إلى نظام للأشياء ، لا يمكن لقوة أن
--> ( 1 ) الزّخرف : 22 - 23 . ( 2 ) البقرة : 170 .