محمد عبد الله دراز

102

دستور الأخلاق في القرآن

هي طموح إلى المثل الأعلى ، فهي نقلة على جناح الحبّ المبدع ، الّذي ينزع لا إلى توجيه سلوك الفرد وجهة أفضل فحسب ، بل إلى جذب المجتمع معه ، وقيادته ، بدلا من أن يكون مقودا له « 1 » . فإذا نظرنا إلى عرض برجسون هذا - على أنّه وصف وتحليل لواقع معين نجده في التّجربة - أمكن القول بأنّه لم يغفل كثيرا من الأساس . وأمّا إذا تناولناه - على أنّه نظرية في الإلزام الأخلاقي - فإنّ تحليله يحمل بعض الصّعوبات ، وشيئا من الانحراف عن الجادة ، بالنسبة إلى وجهة النّظر القرآنية . فمن حيث كونه وصفا يمكن أن نتساءل - ما دام الأمر أمر تعيين لكلّ القوى المؤثرة على الإرادة - : لما ذا لم يشر برجسون إلى عامل ثالث ، أكثر قدما ، وأعمق جذورا في الفطرة الإنسانية ، أعني : العنصر الفردي [ L'individuel ] ، أو الحيوي [ Le vital ] ؟ ؟ ذلك أنّ ما يهم كلّ مواطن ليس فقط أن يخضع لقيود ، المجتمع ، ويسلك في داخل الكيان الاجتماعي مسلك خلية في مركب عضوي ، ولكنه كذلك أن يبحث بخاصة عن المحافظة على ذاته ، مستقلا عن المجموعة الّتي ينتمي إليها ، إن لم يكن على حسابها . وأخطر من ذلك أنّ مصطلحي إلزام [ Obligation ] وأخلاق [ morale ] الواردين في هذا التّحليل - يبدو أنّ لنا متنافيين ، يناقض أحدهما الآخر ، فمتى أصبح

--> ( 1 ) انظر ، : 1 - 1 Bergson . Les deux sources de la morale et de la religion - ch - . 1 ( مصدرا الأخلاق والدّين - الفصل الأوّل ) .