أحمد أمين
79
كتاب الأخلاق
كان هؤلاء الرواقيون يرون أن اللذة ليست هي الغاية للإنسان ، ولا هي الخير دائما ، وإنما الغاية نيل الفضيلة لأنها فضيلة ، وطلبوا من الناس أن يكفوا عن اتباع الشهوات ، وأن يمرنوا أنفسهم على تحمل الآلام في سبيل الفضيلة ، وأن يتوقعوا أسوأ معيشة من فقر ونفي وكراهة من الرأي العام ، ثم يعدوا أنفسهم لتحملها ، حتى إذا كانت لم تنزعج منها نفوسهم . والرواقي لا يجعل أكبر همه أن يكون غنيا ولا متلذذا إنما أكبر همه أن يعيش حكيما فاضلا في أي وسط كان ، في فقر أو في غنى ؛ مبجلا في قومه أو محقرا ، وأن يستعمل ما حوله من الأشياء خير استعمال ، ومثلوا الناس في الدنيا بالممثلين على مراسح التمثيل ؛ قالوا : إن منهم من يمثل الملك ، ومنهم من يمثل السائل الفقير ، ولسنا نثني على الممثل لأنه يلبس تاج الملك ، ونذمه لأنه يرتدي ثياب الفقر ، إنما نثني على من أجاد دوره ملكا أو فقيرا ، ونعيب من لم يجد - ملكا أو فقيرا - كذلك الشأن في الحياة ، فالإنسان يجب أن يمدح أو يذم لإجادته في عمله أو عدمها ، لا لمنصبه الذي يشغله وماله الذي يملكه . وضرب أحد رؤساء هذا المذهب وهو « أبيكتتس » ( 50 - 125 ؟ ب م ) مثلا لذلك من لاعبي الكرة ، قال : إنهم لا يلعبون للكرة نفسها ، ولا يهمهم ملكها ولا من ملكها ، وإنما يمدح اللاعب لأنه عرف كيف يلعبها وكيف يجيد رميها ، يريد بذلك أن الأشياء الخارجية لا قيمة لها في أنفسها ، وإنما يمدح الإنسان على حسن استعمالها ، لا على ملكها . والغربيون الآن يطلقون « رواقي » على من اعتاد أن يقابل الأشياء بهدوء وطمأنينة ، على الرغم مما يحيط بها من خطر وآلام . وقد صبت تعاليم الرواقيين في قالب النصرانية والإسلام ، فكان لها تأثير كبير في حياة النصارى والمسلمين في القرون الوسطى ، فالميل إلى الرهبانية ، والمبالغة في الزهد والتقشف عند الصوفية لا يخلوان من أثر رواقي كبير . ومن القائلين باللقانة في العصور الحديثة « كانت « 1 » » ، فقد كان يقول : إن
--> ( 1 ) « كانت » فيلسوف ألماني عاش من ( 1724 - 1804 م ) ، وقد قال فيه « هبني » ما ملخصه : إن حياة « كانت » عزت عن الوصف لأنه لم تكن له حياة ولا تاريخ بالمعنى الصحيح للكلمتين ، فقد -