أحمد أمين
69
كتاب الأخلاق
وتعريض الصحة والمال والشرف للضياع ، وهكذا القول في الصدق والكذب والأمانة والخيانة . وقد غلط بعض الناس ، ففهموا أن مذهب أبيقور يدعو إلى الانهماك في الملذات الجسمية والجري وراء الشهوات حتى أطلقوا كلمة « أبيقوري » على الداعر الفاجر المنهمك في تحصيل اللذات الجسمية مع أن تعاليم أبيقور بعيدة عن ذلك ، وقد ندد هو نفسه في بعض كتبه بمن يفهم من قوله هذا الفهم السقيم . وقل من قال بهذا المذهب في العصور الحديثة ، وممن قال به هوبز ( 1588 - 1679 م ) وأتباعه ، وقد رجعوا كل عواطف الخير في الإنسان إلى حبه لنفسه وطلبه لذته هو ، وقالوا : ينبغي ألا نحكم على عمل بأنه خير إلا بمقدار ما فيه من اللذة للعامل ، ولا شر إلا بمقدار ما فيه من الألم . وعيب هذا المذهب أنه يجعل صاحبه أثرا ( أنانيا ) لا ينظر في أعماله إلا لنفسه ، مات الناس أو عاشوا انتفعوا أو تضرروا إذا رغب في وصول منفعة للناس ، فإنما ذلك لأنها تجر المنفعة إليه ، وإذا تألم من شر نال أحدا فإنما يكون جزءا من الشر يناله هو . وفي الناس في كل زمان قوم يسيرون في حياتهم العملية على هذا المذهب ، وإن لم يسمعوا به ولم يعرفوا شيئا عنه ، نراهم في كل طبقة من طبقات الناس ، في الأغنياء والصنائع والعمال والموظفين والتجار ، أولئك لا يلاحظون في أعمالهم إلا أنفسهم ، ينظرون إلى غيرهم من الناس كما ينظرون إلى متاع يستخدمونه لمصلحتهم عندهم والإنسانية والوطنية والتضحية ونحوها سخافات ، إنما الفضيلة في نظرهم أن يبحثوا وراء لذتهم وينشدون مع الشاعر : « إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر » وقد جاءت الأديان من نصرانية وإسلام ، فأوجبت التضحية عند الحاجة ، وحببت إلى الناس الإيثار والإحسان ، فكان في انتشار هذه التعاليم ما عاق هذا المذهب عن الانتشار ، فإن الشرف والتضحية والإيثار لا تتفق مع الأثرة وحب النفس ، وقد اعترض على هذا المذهب بجملة اعتراضات : 1 - إذا كانت اللذة الشخصية هي المقياس فمن الصعب - إن لم يكن من المستحيل - عد الإحسان فضيلة مع إجماع الناس على عده كذلك .