أحمد أمين
65
كتاب الأخلاق
ما يتبع عادة في الأفراح والمآثم وزيارة القبور في المواسم إلى كثير من أمثال ذلك « 1 » . وقد أتى على الناس زمان كانوا يرون فيه الخير ما وافق العرف والشر ما خالفه ، وما لم يكن فيه عرف فالناس فيه أحرار يفعلون ما يشاؤون ، بل كثير من العامة وأشباههم في زمننا هذا يرون ذلك ، فيعملون ما يعملون لا لشيء إلا أنه يتفق مع عادات قومهم ويجتنبون ما يجتنبون لأن قومهم لا يعملون ؛ فمقياس الخير والشر في نظرهم عرف قومهم ، ترى كثيرا من العامة يمرض أحد أفراد أسرته ، فلا يستدعي طبيبا لأن بيئته لا تنتقد ذلك ، ولكن إذا مات أنفق النفقات الكثيرة في عمل المأتم ونحوه ؛ لأنه إن لم يفعل عيرته بيئته لمخالفته مألوفهم ، وهكذا . ولكن بالبحث يتبين أن العرف لا يصح أن يتخذ مقياسا ، فبعض أوامره غير معقول وبعضها ضار . وكثير من الأعمال التي يتضح لنا الآن خطؤها وضوحا جليا كان بعض الأمم يبرر عملها ويأمر بها ، فوأد البنات عند بعض قبائل العرب في الجاهلية لم يكن معيبا ولا خطأ : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) [ النحل : الآيتان 58 ، 59 ] ؛ فلما جاء الإسلام نهاهم عن هذه العادة وأبان خطأهم . وعند الرومان كان للأب الحق في إماتة أولاده وإحيائهم - والرق مع ما كان يغلب فيه من المعاملة القاسية لم يبطل من مستعمرات أوروبا إلا في القرن الماضي - وفي أواسط إفريقيا لا يأمن السالك السير بين سكانه المتبربرين
--> ( 1 ) أصل العرف جملة أمور : فبغض العادات القومية يرجع إلى أعمال عملها آباؤنا الأولون دعت إليها الغريزة . وبعضها يرجع إلى الحظ ولو لم يكن مبنيا على العقل كتفاؤل أقوام من أعمال تعمل في بعض الأوقات ، وتشاؤمهم من عملها في أوقات أخرى ، فإن ذلك يرجع إلى أن أجداد هؤلاء القوم صادفتهم في حياتهم الأولى حوادث سيئة حصلت في بعض الأوقات كغرق مركب أو هبوب عاصفة ، فأداهم الاستنتاج الفاسد إلى أن العمل لو أعيد في مثل هذا الوقت لكان له مثل هذه النتيجة . وبعضها يرجع إلى أن أصول القوم كانت تهيج عواطفهم استحسانا لبعض الأعمال ، فتوارثها الخلف عن السلف ؛ كاستحسان بعض أعمال الجرأة ولو لم تكن نافعة . وبعضها يرجع إلى أن الناس الأولين جربوا أعمالا فرأوا في بعضها منفعة لهم فاعتادوها وحضوا على اتباعها ، ورأوا في بعضها ضررا فتجنبوها وحذروا من فعلها .