أحمد أمين
55
كتاب الأخلاق
ترتبها ترتيبا واحدا ، ولا تشعر أمة بأهمية كل فضيلة منها كما تشعر الأخرى ، ويتبع ذلك اختلاف الوجدان ، فإذا شعرت أمة بعظم فضيلة كان الوجدان أكثر إيجابا للإتيان بها وأقوى أمرا في اتباعها . كذلك يختلف الوجدان باختلاف العصور ، فإذا قارنت وجدان أمة الآن نحو شأن من الشؤون بوجدانها منذ قرنين أو ثلاثة مضت وجدت فرقا كبيرا ؛ فمن قرون كان الاسترقاق مألوفا ، وكانت المرأة تعامل معاملة قاسية ، وما كان الوجدان يستنكر ذلك ، واليوم تمتهن الأمة كل ذلك وتعيب من ارتكب شيئا منه . بل الشخص الواحد يختلف وجدانه باختلاف زمانه ، فقد يرى شيئا خيره في زمن حتى إذا رقي فكرا رآه شرا والعكس ؛ كالذي شاهدناه في عصرنا هذا ، قد كنا منذ سنين قلائل نرى أفرادا من كبار الأمة المصرية يوسعون مجال الخلف بين المسلمين والأقباط حتى عقدوا لذلك مؤتمرا للمسلمين وآخر للأقباط ، يقوم في كل مؤتمر عظماء ملته ، فيؤيدون مطالبهم ضد الفريق الآخر وفريقهم يستحسن عملهم . واليوم نرى هؤلاء المفرقين بين الطائفتين من أكبر دعاة الوئام وأصبحوا هم يرون الدعوة إلى التفريق من أكبر الجرائم وأعظم الشرور ؛ ذلك لأن نظرهم اتسع فرأوا الشر فيما كانوا يرونه خيرا ونهاهم وجدانهم عما كان يأمرهم به من قبل . خطأ الوجدان : مما تقدم نستنتج أن الوجدان ليس بالهادي المعصوم ، فقد يخطئ في إرشادنا إلى الحق والواجب ، فيأمرنا بعمل ما ليس بحق ولا واجب ؛ ذلك لأن الوجدان إنما يأمر باتباع ما يعتقده الإنسان حقا ، فإذا كان هذا الاعتقاد خطأ كان الوجدان لا محالة مخطئا - وكثيرا ما يروي التاريخ لنا أعمالا فظيعة عملت بإرشاد الوجدان . ومن أوضح الأمثلة على ذلك محكمة التفتيش في أسبانيا ، ففي عهد فردينند وإيزابلا ( ملكي أسبانيا ) عين مفتشون لمحاكمة من خرج على الدين الكاثوليكي - من مسلمين وغيرهم - فكان يؤتى أمامهم بمن يتهم بالخروج على الكثلكة ، فإن أجاب حتى بما يتفق مع هذا الدين لم يقبلوا منه وعذبوه حتى يضطره العذاب أن يقول ما يخالف الدين ، فيأمر المفتشون بإحراقه حيا أو تعذيبه عذابا شديدا ، فكان مجموع ما أحرق في السنة الأولى 208 في أشبيلية ، وأكثر من ألفين