أحمد أمين
53
كتاب الأخلاق
الوجدان ( الضمير ) « 1 » يلاحظ الإنسان أن في أعماق نفسه قوة تحذره من فعل الشر إذا أغرى به ، وتحاول أن تصده عن فعله ، فإذا هو أصر على عمله وأخذ يفعل أحس بعدم ارتياح أثناء الفعل لعصيانه تلك القوة ، حتى إذا أتم العمل أخذت هذه القوة توبخه على الإتيان به ، وأخذ يندم على ما فعل . كذلك يحس بأن هذه القوة تأمره بفعل الواجب ، فإذا بدأ في عمله شجعته على الاستمرار فيه ، فإذا انتهى منه شعر بارتياح وسرور وبرفعة نفسه وعظمتها . هذه القوة الآمرة الناهية تسمى « الوجدان » ، وهي - كما رأيت - تسبق العمل وتقارنه وتلحقه ، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب والتحذير من المعصية ، وتقارنه بالتشجيع على إتمام العمل الصالح والكف عن العمل السئ ، وتلحقه بالارتياح والسرور عند الطاعة والإحساس بالألم والوخز عند العصيان . هذا الوجدان نشعر به كأنه صوت ينبعث من أعماق صدورنا يأمرنا بعمل الواجب ويحذرنا من المخالفة ولو لم نرج مكافأة أو نخش عقوبة خارجية ، يجد البائس الفقير لقطة ويعتقد أنه لم يره أحد إلا ربه ، وأنه لا تناله يد القانون ، ثم يؤديها إلى صاحبها أو يبلغ عنها مركز الحكومة ، فما الذي حمله على ذلك ؟ لا شيء إلا الوجدان يأمر صاحبه بعمل الواجب ، لا لمثوبة ولا لعقوبة إلا مثوبة نفسه بارتياحها وعقوبتها بالندم والتأنيب « 2 » .
--> ( 1 ) كلمة الوجدان أو الضمير الموضوعة لكلمة ) ecneiesnoC ( . ( 2 ) قال بعضهم : إن في باطن الإنسان صوتين : الوسواس والوجدان ، وكلاهما صوت رغبات مقموعة ، ذلك أن عند الإنسان عاطفة الخير وعاطفة الشر ، فإذا قمعت عاطفة الشر سمع صوت الوسواس والإغواء يدعو إلى الشر ، وإذا قمعت عاطفة الخير سمع صوت الوجدان يتألم من الشر وينادي بعمل الخير ، فالوسواس صوت الشر إذا تغلب الخير ، والوجدان صوت الخير إذا تغلب الشر ، والإنسان الطيب هو من أحيا عواطف الشفقة والعدل والكرم وقمع أضدادها ، والعاطفة المقموعة تحاول أن تجد منقذا تظهر منه فتدعو إلى الشر ، وتلك هي الوسواس ) noitatpmeT ( ، وعلى العكس من ذلك الإنسان الخبيث فهو الذي يحيي عواطف الشر من أثرة وظلم ويقمع عواطف الخير ، فتحاول أن تظهر وتنادي بوجوب السمع لها والطاعة وتحذر من الاستمرار في طريق الشر ، وذلك هو صوت الوجدان . وتختلف أوامر الوجدان ونواهيه باختلاف المثل الأعلى للإنسان ، فقد يشعر إنسان بتأنيب شديد -