أحمد أمين
34
كتاب الأخلاق
وليس من المعقول أن يرث الولد كل الصفات الأساسية لأبويه معا ، فقد يكون لأبويه صفات متناقضة ، كأن يكون الأب جبانا أو أبله والأم جريئة وذكية ، ولكن لم يصل العلم إلى تحديد المقدار الناتج بالوراثة من امتزاج كميتين مختلفتين . ومع أن الولد يرث من آبائه صفات لهم ، فإنه يحفظ شخصيته بصفات خاصة لا يشارك فيها آباءه ، وبها يمتاز عن غيره في شكله وسحنته ولونه وعواطفه وعقليته وأخلاقه ، وهذه الصفات الخاصة يورثها الأولاد للجيل الذي بعدهم مع محافظة كل فرد من أفراد هذا الجيل على شخصيته أيضا . وكثيرا ما يحدث في الوراثة أن الأبوين تكون لهما صفات خاصة ، ولا تظهر هذه الصفات في نسلهما ، ولكن تظهر بعد ذلك في الأحفاد أو أبناء الأحفاد . وبعبارة أخرى قد تظهر في الأجيال التالية للجيل الأول ، كما شوهد في أب مصاب بعمى اللون « 1 » يلد بنات ليس لهذه العاهة أثر فيهن ، حتى إذا نسل هؤلاء البنات ذكورا ظهرت فيهم هذه العاهة ، وأيضا تلد الأم الصحيحة ابنا يموت بمرض قد أصيب به جده الأدنى أو الأعلى ، ويقال مثل ذلك في الأمور العقلية والخلقية . وعلى الجملة : إن الوراثة مع الجزم بصحتها لا يزال كثير من قوانينها غامضا إلى اليوم ، والعلم يجد في استكشافه . ويجب أن نلاحظ أننا لسنا نرث من آبائنا غرائز نامية ولا ملكات ناضجة ، إنما نرث منهم استعدادات وجراثيم فقط ؛ فلم يولد سحبان فصيحا ولا الحجاج سفاكا ولا نابليون حربيا ، ولكنهم ولدوا وفيهم استعدادات كامنة صادفتها بيئة صالحة لنموها فنمت ، وذلك علة النبوغ . وكثير من هذه الاستعدادات والقوى الكامنة تتأخر في الظهور ، وربما لا تظهر إلا بعد سنين ، إما لأن البيئة لم تكن صالحة لنموها أو نحو ذلك ، وذلك هو الشأن في بعض الأمراض الجسمية كالتدرن الرئوي ، فليس يرث الطفل نفس المرض ، ولكن قد يرث من أبيه الاستعداد للإصابة بهذا المرض ، فإن صادف هذا الاستعداد بيئة ساعدت على الإصابة به أصيب ، وإلا لا . وكذا الأمراض الخلقية ، فليس يرث الناشئ من أبيه
--> ( 1 ) عمى اللون ) ssendniLB ruoLoC ( مرض يصيب العين ، فلا ترى بسببه بعض الألوان على حقيقته .