أحمد أمين
32
كتاب الأخلاق
ونحوها ، كما أن كثيرا من الأمراض يمكن الوقوع فيها باعتياد أضدادها حتى قال بعضهم : « من مرض فقد أجرم » ؛ ذلك لأنه بمرضه يزيد في شقائه وشقاء من حوله ، ولكن ليست هذه الجملة صحيحة على إطلاقها ، فبعض الأمراض يصيب الإنسان ولا يكون له طاقة بدفعه . ومما يستوجب الأسف أنا في السنين الأولى - سني تكون العادات - لا نكون قد بلغنا حد التفكير الصحيح ، ولا تكون لنا قوة على التمييز بين الأشياء تمييزا صحيحا واختيار خيرها لنعتاده ، فإذا بلغنا هذه السن وأدركنا عيوبنا وشاهدنا ما نعتاده من عادات سيئة صعب علينا العدول عنها لتصلبها ورسوخها وإن كان ذلك ممكنا . ولنضرب لذلك مثلا عادة التدخين وشرب الخمر ، فليس كلاهما جذابا محبوبا ، بل إن النفس تنفر منهما بطبيعتها لكراهة طعمهما وأضرارهما ، ولكنهما يعرضان للمرء في أيام طيشه وشبابه ؛ فيرى بعض من حوله يدخنون ويشربون ويحمله الولوع بتقليدهم وظنه أن ذلك يزيد في قدره عندهم على أن يعمل مثل عملهم . ولو لم يتعودهما حتى نما عقله ونضجت قوة حكمه على الأشياء لندر أن يعتادهما . ومن هذا نعلم عظم مقدار ما يستفيده الإنسان إذا رزق بمرب صالح ، والضرر الجسيم إن هو أهمل أو أصيب بمرب فاسد . الوراثة والبيئة كانت العقيدة الفاشية قديما أن الناس يولدون على السواء في نفوسهم وفي استعدادهم ، وإنما التربية هي التي تخالف فيما بينهم . ولكن العلم الحديث يرى أن ليس شخصان يخرجان إلى هذا الوجود متساويين ، لا جسميا ولا عقليا ولا خلقيا ؛ وهذا الاختلاف بين الأشخاص قد يدق حتى يقرب من التماثل ، وقد يبعد حتى يصل إلى التباين ، حتى لنرى هذا الاختلاف بين التوأمين ، وهذا الاختلاف يرجع أولا إلى « الوراثة » ثم إلى « البيئة » . ما الوراثة ؟ من القوانين الطبيعية أن الفرع يشبه أصله ، وأن الأصل ينتج مثله ، فنرى الأطفال يشبهون أصولهم ، ويحملون خصائصهم ، وإن بعدت الأصول . وانتقال الخصائص من الأصول إلى الفروع هو ما يسمى بالوراثة .