أحمد أمين
31
كتاب الأخلاق
ومثل ما قلناه عن السكير نقوله عن كل المجرمين الذين اعتادوا أي نوع من الإجرام ؛ كالقاتل والسارق ، فالقاتل المتعمد إنما يقتل بعد سكنى الفكرة في مخه وسماحه لها بالبقاء حتى تملك عليه نفسه وتستحيل إلى عمل . حكى ( ألفونس سكيروس ) في كتابه ( التربية الاستقلالية ) : « أن امرأة عليها سمة الاحتشام والحياء ، دخلت أحد الحوانيت وانتقت ما أرادت وأخرجت من جيبها ورقة « بنك » قيمتها خمسة جنيهات ، ولكن صراف الحانوت وجد أنها مزورة ، فبهتت المرأة وأخرجت له أخرى ، ولكنها لم تكن خيرا من الأولى ، فارتاب الرجل في أمرها وسلمها إلى الشرطة ، وبعد التحقيق تبين أن هذه المرأة خادمة أمينة ، كان عند مخدومها ورقتان مزيفتان وقعتا في يده اتفاقا فتركهما في بيته من غير أن يمزقهما ، وكانت الخادمة تدخل الحجرة التي فيها الورقتان كل يوم لتنظفها فتقع عينها عليهما ولا تعبأ بهما ، ولكن تكرر حضورهما في ذهنها من يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر حسن لها أخذهما ، فرفضت ذلك في أول الأمر بتاتا ، وبعد مدة لمستهما بيدها وقلبتهما ثم ردتهما فورا وكأن فيهما نارا تحرق أصابعها ، وما زال بها هذا الإغراء حتى غلبها وأوقعها في السرقة » اه . فالذي أوقع هذه المسكينة في الجناية سماحها للفكرة أن ترد على ذهنها كل يوم وتلهب فيه النار من غير إسراع في إطفائها . فيجب ملاحظة ذلك وعدم ترديد الفكرة في المخ حتى لا تتكون العادة . أهمية العادة : الآن فهمنا أن الإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض ، وأن قيمته تعتمد كثيرا على عاداته ، فطريقة الشخص في لبسه ونظافته ونغماته في كلامه ومشيته ، وطريقته في أكله ونومه ، وعنايته بحاجات بدنه من رياضة واستحمام ، وعنايته بعقله من تهذيب وتربية ونحو ذلك ، كلها عادات تقوم الشخص وتحدد درجة نجاحه في الحياة . بل إن الإنسان سعيد أو شقي بالعادة ، أمين أو خائن بالعادة ، شجاع أو جبان بالعادة ، هو - لدرجة كبيرة - صحيح الجسم أو سقيمه بالعادة ؛ ذلك لأن كثيرا من الأمراض يمكن اتقاؤه باعتياد النظافة والاعتدال في المأكل وانتظام المعيشة