أحمد أمين
30
كتاب الأخلاق
ما ، وكلما تكررت كبر أثرها وسهل ورودها وأنتجت العمل لا محالة ، ثم يصير ذلك عادة بالتكرار . قد ترفض الفكرة لأول مرة ولكن كثرة ورودها على المخ تجعله يقبلها ويعمل بمقتضاها ، ولنطبق ذلك على الحياة العملية ؛ فنقول : هب أن شابا مستقيما دعاه مرة رفقة السوء ليشرب معهم ، فنرى أن ذلك الشاب عند سماع هذا الرأي يرفض الفكرة بتاتا ، ويقول : « لا » بملء فيه ، ولكن قد يدعوه رفقاؤه لأن يصحبهم من غير أن يشرب ويزينون له هذا الرأي بما أوتوا من حيل ومهارة ، فيرى بعد طول القول وكثرة الإغراء أن هذا الرأي لا يضره ما دام في عزمه أن يذهب ولا يشرب ، وقد يتم ذلك حقيقة ، فيذهب معهم ولا يشرب . وقد يكرر ذلك ، ولكنه في كل ذهاب معهم تقل قوة الممانعة وتأتي فكرة الشرب في كل مرة فتعمق مجراها في المخ ، ولا تزال تضعف قوة المقاومة عنده حتى لا يرى له قدرة على الامتناع ، فيشرب الكأس الأول معتقدا أنه يستطيع أن يضرب عن الشرب في أي وقت شاء ، وهو في كل مرة يشرب يثبت عادة الشرب وإذا به سكير . ينال العار من عمله ويخسر ما له من المنزلة بين الناس ويسفل ويرغب أن يعود إلى حالته الأولى فتخونه إرادته ، وقد كان عدم البدء في الشرب وعدم الترحيب بالفكرة أسهل عليه من العدول عنه بعد أن تمكنت العادة من نفسه . فوجود الفكرة في المخ والترحيب بها معناه إيجاد شعلة فيه ، فإذا تركها تشتعل ولم يطفئها من وقتها عمت النار المخ كله وذهبت إرادته سدى وضاعت كل مقاومة ونفذ فعل الشر . وأما إن هو رفض الفكرة بادىء بدء ولم يسمح لها بالبقاء في المخ ، فقد أمن من شرها وأمن من تحولها إلى عمل . وطريقة إطفاء هذه الشعلة شيئان : أولهما طريقة مباشرة ، وهي عدم السماح لهذه الفكرة أن تحل بالمخ ونبذها بتاتا وعدم سماعها ممن يحبذها أو يدعو إليها ومجانبة من يميل إليها . والثاني شغل المخ بشيء ينسيه الفكرة الأولى ، فليس أضر على الإنسان من فكر فارغ ؛ وكما يقال : « إن الشيطان يسكن حيث يجد المكان فارغا والمحل نظيفا » ، فالمخ إن لم يشغله جد اشتغل باللهو .