أحمد أمين

29

كتاب الأخلاق

عمل ما هو خارج قدرته كان حقيقا بالخيبة ، وفي الخيبة إضعاف للعزيمة ، فنعجز بعد ذلك عن الإتيان بالأعمال السهلة . والدواء في حال عدم القدرة أن يأخذ الإنسان نفسه بالتدرج في الأمر ، فإذا كان يشرب الخمر مثلا فليعزم على تقليل شربها شيئا فشيئا على قدر استطاعته حتى ينتهي به الأمر تدريجا إلى عدم شربها ، بل إلى بغضها وبغض مجلسها . وإن رجلا يغير عزمه في كل يوم ولا ينفذه ، إنما هو كمن يريد أن يثب قناة فيجري لها من بعيد حتى إذا وصلها غير عزمه وعاد ليجري من جديد ، وهكذا ، فلا هو يثب ولا هو يريح نفسه . القاعدة الثالثة : انتهز أول فرصة لتنفيذ ما عزمت عليه واتبع كل انفعال نفسي يعين على ذلك التنفيذ ، فإن الصعوبة ليست في العزم ، وإنما هي في تنفيذه ، ومهما حفظ الإنسان من الحكم وكانت رغباته صالحة فلن تتحسن أخلاقه وتقوى إلا إذا انتهز كل فرصة تسنح له ، وليس هناك أحقر من رجل ممتلئ بالأحلام يصرف حياته في إحساسات وانفعالات من غير أن يعمل بمقتضاها ، وأن كل من أحس منا أو انفعلت نفسه بأن عمل كذا خير ولم يفعل شيئا على مقتضى ذلك الإحساس قد أمات في نفسه خلقا من أكبر الأخلاق ، وهو قوة العزم وتنفيذ الرأي . القاعدة الرابعة : حافظ على قوة المقاومة واحفظها حية في نفسك ، وذلك بأن تتبرع بعمل صغير كل يوم لا لسبب إلا لمخالفة نفسك وهواك ؛ لأن هذا يعينك على مقاومة المصائب في حينها ، ويكون ( مثلك مثل رجل يدفع في كل سنة مبلغا صغيرا تأمينا على بيته ومتاعه ) اه . الفكر والعادة : قرر علماء النفس أن الفكر في الشيء يسبق العمل به حتما ، فالعمل الاختياري إنما يعمل بعد التفكير فيه . فإذا نحن أردنا اعتياد عادة أو العدول عنها وجب النظر في أساس ذلك ، وهو الفكر . من القوانين النفسية أن الفكرة إذا عرضت للمخ فقبلها ورحب بها زمنا طويلا أثرت فيه أثرا ثم تحولت إلى عمل ، وأن الفكرة لأول عرضها تؤثر في المخ أثرا