أحمد أمين

27

كتاب الأخلاق

المسنين ألفوا نوعا خاصا من الآراء واعتادوا السير عليه حتى صاروا يكرهون ما يخالفه . أما الشبان والأحداث ، فلم يألفوا نوعا خاصا من الآراء ، لذلك كانوا على استعداد لقبول ما تقوم البراهين على صحته . ومن الأمثلة على ذلك ما حدث للطبيب الشهير هارفي ( 1578 - 1657 ) الذي استكشف الدورة الدموية في الإنسان ، فقد أعلن استكشافه وأيده بالبراهين ، ولكن ظل الأطباء يرفضون القول به نحوا من أربعين سنة ؛ لأنهم اعتادوا أن يفكروا على أن لا دورة . ورحب بالاستكشاف الأحداث لمرونتهم وعدم إلفهم القديم . وهذا ما يعلل ما نراه من تمسك العجائز بالقديم والخرافات مع وضوح البراهين على بطلانها . قال روسو : « يولد الإنسان ويموت وهو مسترق مستعبد ، يشد عليه القماط يوم يولد والكفن يوم يموت » . يريد أن يبين قوة العادة واستعبادها للإنسان ، ويحرض على الثورة على العادات . والحق أن ليست كل عادة يثار عليها ، وأن أحسن شيء في الدنيا قد يكون منبعا للشرور إذا أسيء استعماله ؛ كالخيال القوي ، فهو منبع للفن والشعر والأدب ، وقد يكون أيضا منبعا للجرائم واختلاط العقل . كذلك العادة قد تستعبد الإنسان وتكون مصدر شقاء له إذا ساءت ، كعادة شرب المسكرات ، وقد تكون منبع السعادة إذا حسنت ؛ كعادة النظافة والمحافظ على الزمن والصدق في القول . ومن الخطأ أن نثور على كل العادات كما يفهم من كلام روسو ، فما أتعس إنسانا ليس له عادة ، إنه يتردد في كل شيء مهما تفه وصغر : في ذهابه لينام ليلا وقيامه صباحا وأكله وشربه ، بل في كل لقمة يأكلها وجرعة يشربها ، وبذلك يضيع أكثر من نصف عمره في تردد وإبرام عزم . تغيير العادة : كثيرا ما يصاب الإنسان بعادات ضارة يود تغييرها أو التخلص منها ، ومن المفيد أن تعرف كيف نصل إلى ذلك . إن معرفتنا كيف نكون العادة يعيننا على فهم كيفية التخلص منها ، فللتخلص منها يجب أن نعمل عكس ما يكونها ، وقد ذكرنا قبل أنه لتكوين عادة يجب الميل إلى الشيء وإجابة الميل وتكرير كل من الميل والإجابة تكرارا كافيا ، فللتخلص منها يجب أن نقاوم الميل إلى العمل ، وكلما ملنا إليه لا نجيب الميل ، فنستطيع أن