أحمد أمين

23

كتاب الأخلاق

فروع الحياة المختلفة ، ويظهر هذا النبوغ عندما يوفق المرء إلى من يتعهد ميوله الطيبة ويعرف كيف يشجعها وينميها ويرشده إلى ما ينبغي أن يعمل وما ينبغي أن يترك حتى تنضج غرائز . وكم ممن نعدهم اليوم من سقط المتاع لو عنى بهم وربيت غرائزهم لكانوا نابغين على اختلاف فيما بينهم ، ففنان ماهر وقائد مدرب ومدير حاذق وذو قلب كبير لا يهاب الشدائد ولا يخاف الموت . العادة العمل إذا تكرر حتى صار الإتيان به سهلا سمي عادة ، وأكثر أعمال الإنسان من قبيل العادة ، كالمشي والجري وطريقة اللبس والكلام إلى كثير من أمثال ذلك . تكوين العادة : كل عمل خيرا كان أو شرا يصير عادة بشيئين : ميل النفس إليه وإجابة هذا الميل بإصدار العمل ، مع تكرار ذلك كله تكرارا كافيا . أما تكرار العمل الخارجي وحده ، أعني مجرد تحرك الأعضاء بالعمل ، فلا يفيد في تكوين العادة ؛ فالمريض الذي يتجرع الدواء المر مرارا وهو في كل مرة كاره له - يتمنى اليوم الذي يشفى فيه فلا يتجرعه . . . لا يصير شرب الدواء عادة له ، والتلميذ الكسول الذي يذهب إلى المدرسة يضغط والده عليه فحسب لا يعتاد الذهاب إلى المدرسة ، حتى إذا زال هذا الضغط لم يذهب . ولكنا نرى المدخن بتكريره التدخين يعتاده ويصعب عليه العدول عنه ؛ والسبب في هذا أن المريض لم تمل نفسه إلى شرب الدواء ، وإنما مالت إلى كسب الصحة ، فالميل النفسي إلى العمل وتكرير هذا الميل لم يتحققا فلم تتكون العادة . وكذلك التلميذ لم يمل إلى المدرسة ، وإنما مال إلى إرضاء والده أو نحو ذلك فلم يعتد . أما المدخن ، فقد رغب في التدخين وتكرر ميله وتكرر العمل الخارجي ، وهو إشعال اللفافة وتدخينها فتكونت العادة . كذلك تكرير الميل النفسي وحده ليس بكاف ، فمن مال إلى التدخين مرارا ، ولكنه لم يحب هذا الميل لا يصبح التدخين له عادة ، فلا بد إذا من الميل النفسي والعمل الخارجي وتكرارهما .