أحمد أمين

19

كتاب الأخلاق

2 - غريزة حفظ النوع : هي من أقوى الغرائز وأكثرها مظاهر في الحياة ، ومن أكبر مظاهرها الميل الجنسي ، أعني الميل المتبادل بين الذكر والأنثى ، وهو منبع لكثير من السلوك ، فأكثر أعمال الشباب - من جد في الدرس ورغبة في نيل شهادة ومحافظة على حسن سمعة وسعي في الكسب الغرض منه على الأكثر خدمة هذا الباعث الغريزي ، وهو الميل الجنسي وهو السبب أيضا في حياة العواطف من أدب وفن . وهذا الميل إذا نظم واعتدل كان منبعا للسعادة ، وإلا فللشقاء . ومن مظاهر هذه الغريزة أيضا العاطفة الأبوية ، وهي في المرأة أقوى منها في الرجل ، وهي شديدة التأثير في الحياة الأخلاقية ، فهي تحول الفتاة المرحة الملول الأثرة إلى أم رزينة صبورة مؤثرة ، كما تحول الشاب المستهتر الماجن إلى رجل مفكر يشعر بالتبعة ( المسؤولية ) . وتقوى غريزة حفظ النوع أحيانا حتى لتضعف أمامها غريزة حب الذات ، فقد يهجر الأبوان راحتهما لراحة أولادهما ، ويحرمان أنفسهما ليتمتع نسلهما ، بل قد تضحي الأم بنفسها لتحفظ ولدها . بهذه الغريزة والتي قبلها عمر العالم وحفظت الأشخاص والأنواع ، وبها أيضا كان العالم ميدانا للتزاحم والعراك ومجزرة تسفك فيها دماء الأشخاص والأنواع . وهاتان الغريزتان أساس لكثير من أعمال الإنسان ، حتى لقد ذهب بعض علماء النفس إلى حصر سائر الغرائز فيهما . 3 - غريزة الخوف : هذه الغريزة متأصلة في الإنسان تصحبه من أيام طفولته إلى أن تسلمه إلى القبر المخيف ، وكثيرا ما تتصادم هذه الغريزة مع الغرائز الأخرى ، كالغضب وحب الابتكار وحب الاستطلاع والميل الجنسي ، فتمنعها من الظهور أو تكون سببا في التردد . وإن رقي الإنسان العقلي ومدنيته أزالت كثيرا من أسباب الخوف التي كان يخاف منها المتوحش ، ولكنها أوجدت أيضا أسبابا أخرى أصبح يخاف منها المتمدين . كان المتوحش يخاف من الرعد والبرق والمذنبات والخسوف والكسوف