محمد نبي بن أحمد التويسركاني

185

لئالي الأخبار

اشرف من الوسيلة ، فدلّ على ذلك ان العلم اشرف من غيره . أقول : والوجه الاخر ان التفكر يورث مقت الدنيا ، والرغبة عنها ، ويقصّر الامل الذي هو أقوى أسباب حب الدنيا ، والميل إليها ، وإلى ازدياد العمر بكثير ، وقلّة العمل للآخرة ، ومن الواضح ان جميع بلاء الانسان ومصائبه الاخرويّة انما هو من الدنيا وطول الامل فإذا كان التفكر مقتا للأول ، ومقصّرا للثاني : فلا بد أن يكون أفضل ؛ ويكون له ما مرّ من الاجر والوجه الاخر ان التفكر في ساعة أو اقلّ منها كثيرا ما يقلب الرجل إلى حالة حسنة ؛ فتصدر منه العبادات في طول تلك المدة ، وأكثر كما وقع لكثير من العبّاد والزهاد ، والأخيار ؛ والابدال ، والسلاطين العظام ؛ بخلاف العبادة والوجه الآخر انه كثيرا ما زاجر عن المعاصي العظام ؛ والأهواء المستدام ، التي ترك ذرّة منها أحب إلى اللّه من عبادة الثقلين . كما يأتي مع مزيد في الباب العاشر في لؤلؤ . أقول : ولأجل ما مرّ في اللؤلؤين وفي غيرهما كما وقع ذلك لكثير : منهم معاوية بن يزيد الأبتر ، حيث خلع عن نفسه الخلافة العظمى بأدنى تفكر والتفات . والوجه الاخر انه كثيرا ما يورث سعادة لا تحصل بالقيام بجميع العبادات في طول العمر ، كما وقع لكثير من الشهداء الكبار الذين منهم حر بن يزيد الرّياحى ، حيث خرج إلى حرب الامام الهمام عليه السّلام بعسكره ؛ وشجاعته وعزّه ، فبلغ بالتفكر في نفسه ساعة ما بلغ من الدرجة العليا بخلاف عمر الثاني القائل لهذه الأبيات . فو اللّه ما ادرى وانى لا وجل * افكّر في امرى على خطرين أاترك ملك الرّى والرّى منيتي * أم أصبح مأثوما بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب ولى في الرّى قرّة عين فكن يا اخى دائما مستمعا لمناد ينادى ليت النّاس لم يخلقوا وينادى مناد : ليتهم إذ خلقوا فكّروا فيما له خلقوا وعاملا بقول أبى عبد اللّه عليه السّلام حين قيل له : كيف يتفكر يمرّ بالدار والخربة فيقول : اين بانوك ؟ اين ساكنوك ؟ مالك لا تتكلمين ؟ مع أنه نازل إلى المرتبة السّافلة من مراتب التفكّر كما عرفت .