محمد نبي بن أحمد التويسركاني
166
لئالي الأخبار
* ( في مدح العزلة عن الخلق ) * لؤلؤ : الثالث من الأمور العشرة ترك اختلاط الخلق المعبّر عنه بالعزلة ، فإنه يشغله عن الحق ، ويذهله عن الموت ؛ ويفسد الفراغ للعبادة والذّكر والفكر والسّير في الملكوت ، ويمدّ النظر إلى ما في أيدي النّاس فيطمع بها ، ويبتلى الانسان باستماع الغيبة والدخول في المجالس المذمومة ، وصحبة من لا فائدة في كلامه الا تضييع الوقت وربما ينجرّ إلى المخاصمة ، والفتنة ؛ فتندم يوم القيامة ، وتقول له : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فلم أرك في الدنيا فبئس القرين كنت لي في الدنيا كما حكاه تعالى عنك في قوله : « يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ » وعن بعض « يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ » وقال تعالى : « الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ . وقال بعض السالكين : أصل العزلة ان يعزل الحواس عن التصرف في المحسوسات ، والتعلّق بالممكنات ، خصوصا عامّة النّاس ، وعن الخطورات ووساوس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس ، والمشتهيات ، واللّذات ؛ والتنفيسات كالمريض المحترز بقوة المجاهدات والرياضات ، ويكون نظره وتوجهه ظاهرا وباطنا بحضرته تعالى ، بحيث لا يلتفت إلى غيره طرفة عين ابدا . أقول : يصدّق هذا المعنى ما في الحديث حبّك بشئ يعمى ويصم وما يأتي في اللؤلؤ الآتي في قصّة الشابّ المغلول وغيره من الأكابر . وما في مناجاته عليه السّلام : الهى هب لي كمال الانقطاع إليك وانر ابصار قلوبنا بيضاء نظرها إليك ، فاكون عن سواك منحرفا منك خائفا مراغبا . شعر تو عزلت كن ز غير أو بعزّت * كه تا عالي شود هر لحظه سيرت وقال الصّادق عليه السّلام : أوحى اللّه إلى نبىّ من أنبياء بني إسرائيل : ان أحببت ان تلقاني في حظيرة القدس ، فكن في الدنيا وحيدا غريبا مهموما محزونا مستوحشا من الناس بمنزلة الطير الوحداني الذي يطير في الأرض القفر ، ويأكل من رؤس الأشجار ؛ ويشرب من